انطلقت من إيلات وامتدت الى جنوب لبنان. ولا تهم التفاصيل والحيثيات فالموقد مُهيّأ وجاهز وعود الكبريت موجود في اليد منذ ما قبل الإعلان عن قرب استئناف المفاوضات المباشرة الفلسطينية الإسرائيلية وإكمال سلّة العقوبات الدولية على إيران.
والحاصل استناداً الى قراءات باردة لوضع حار، أن إسرائيل حاولت بالأمس جرّ الجيش الوطني ولبنان عموماً الى مواجهة مفتوحة تحقق من خلالها (إفتراضاً) سلسلة أهداف آنية وبعيدة المدى اولها الابتعاد عن شرب الكأس المرّة الخاصة بعودة التفاوض مع السلطة الفلسطينية. فهي لا تريد أن يعود ذلك المنحى ليستقر في ذهن أحد كوسيلة وحيدة لإنهاء النزاع. ولا تريد إنهاء ذلك النزاع في الأصل، ولا تريد بالتالي لا مفاوضات ولا من يفاوضون يفترضون إمكانية لإعادة شيء من الأراضي المسلوبة والمسروقة الى أصحابها الشرعيين.
لا يناسب برنامج حكومة بنيامين نتنياهو أي مناخ غير الذي تشيعه من خلال وجودها في حد ذاته. ولا يناسبها ضغط أميركي مزدوج عليها وعلى الجانب الفلسطيني، خصوصاً في هذه المرحلة حيث تستعد لاستئناف الاستيطان في الضفة الغربية وفق برنامج لم يتوقف لحظة واحدة حتى في عزّ مفاوضات سنوات التسعينات.. لا قبل أوسلو ولا خلال أوسلو ولا بعد أوسلو. وأول حرف في تاريخ هذه المصيبة يؤشر الى أن المشروع الصهيوني الصافي الذي تحاول الحكومة الحالية إنعاشه إنما يقوم على الاستيلاء على "كل" الأرض الفلسطينية وما يجاورها من مَدَيَات جغرافية تراها ضرورية لأمن تلك الأراضي. والسياق واضح في مسار لم تتزعزع أركانه إلا لفترة وجيزة بعد انتهاء الحرب الباردة.
وعلى الهامش يُقال هنا، أنه انطلاقاً من ذلك الخط العريض، حطّمت هذه الحكومة الإسرائيلية تحديداً الدور التركي بينها وبين سوريا.. قامرت بخسارة علاقات معروفة مع الأتراك في مقابل إنهاء أي أمل سوري بإمكانية عودة الأراضي المحتلة في الجولان من خلال التفاوض.
هدف آخر وكبير كان في مجال الرؤية تبدى من تفاصيل مواجهة الأمس، حيث تدحرج الاستفزاز الإسرائيلي باتجاه فتح النار رغم وجود قوات "اليونيفيل". وذلك الهدف كان استدراج المقاومة الى الفخ. وفي ذلك حديث يطول وصولاً الى إيران والتبرم الإسرائيلي الواضح من قصة العقوبات الاقتصادية التي يُنظر إليها باعتبارها البديل المتوافر راهناً عن الضرب بالنار.
على أي حال، حسناً فعل الجيش اللبناني بأداء واجبه الوطني المقدس والدفاع عن السيادة والأرض باللحم الحي والدم والنار. وحسناً فعل من بقي في الخلف بعيداً عن الفخ المفتوح… لكن في ظل كل ذلك لم يوفر بعض عتاة الممانعين عندنا الفرصة من أجل توجيه تنظيراته البائسة باتجاه الداخل: إسرائيل تستهدف لبنان وجيشه وسيادته وأرضه فيما ذلك البعض يستهدف لبنانيين آخرين باتهامات تافهة وممجوجة ومثيرة للقرف قبل إثارتها لأي شيء آخر.
مدرسة في تفريخ الفتن وإنعاش أفاعيها وثعالبها.. والسؤال بعد هذا: لماذا تتحرك إسرائيل ضدنا طالما أن ذلك البعض موجود عندنا وفالت من دون رباط؟!!