بدأت "قوى 8 آذار"، منذ اشهر، حملة على المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، واتهام قضاتها بالانحياز وعدم الكفاية وتنفيذ المخطط الاميركي – الاسرائيلي للنيل من "حزب الله"، كونه يقف بالمرصاد امام تنفيذ المخطط الاميركي للشرق الاوسط، ويمنع اسرائيل من الاعتداء على لبنان وتحقيق مآربها فيه.
واشتدت الحملة على المحكمة، مع انتهاء المدعي العام القاضي دانيال بلمار من تحقيقاته واقترابه من اصدار القرار الاتهامي، في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه والجرائم المتلازمة. حيث وصف الامين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصر الله، في اطلالته الاولى حول المحكمة، القرار الاتهامي المرتقب بالمشروع الاسرائيلي، واتهم خصومه بالخيانة والعمالة للعدو الاسرائيلي، اذا سوّلت لهم انفسهم قبول القرار. واعتبر ان كشف المتعاملين معا سرائيل في احدى شبكات الاتصالات اللبنانية، يقضي على حجر الزاوية في تحقيقات المحكمة الدولية التي تعتمد بدرجة رئيسة على قرينة الاتصالات، ويلغي مضمون القرار الاتهامي.
وتابع السيد نصر الله، في اطلالاته المتعاقبة، حملته على المحكمة، من منطلق الجزم القاطع بأن القرار الاتهامي، سيتضمن اتهاما لعناصر من "حزب الله" بالضلوع في جريمة الاغتيال. وتضمنت رسائله المرسلة في اكثر من اتجاه، تحذيرا لخصومه، وتحريضا مباشرا لجمهور 14 آذار وعلى قياداتها، وغمزا من قناة الرئيس سعد الحريري لاعتماده في قراراته على "قصاصات ورق المستشارين"، وتشكيكا بدستورية حكومة الرئيس فؤاد السنيورة التي وافقت على نظام المحكمة بغياب وزراء الطائفة الشيعية، وتلميحا الى ضرورة الاختيار بين المحكمة او الاستقرار.
وادى التصعيد الكلامي للسيد نصر الله، الى عودة الانقسام السياسي والفرز الطائفي والمذهبي بين اللبنانيين، وردود فعل قاسية من "قوى 14 آذار"، لما تضمنه كلامه من تهديدات واذكاء لنار الخلافات والفتنة بين اللبنانيين، واتهامات مبطنة بالخيانة لبعض رموزها، ولخريطة الطريق التي رسمها لـ"قوى 8 آذار" برفض التعامل مع المحكمة، باعتبارها مشروعا اسرائيليا واداة لتنفيذ المخططات الخارجية ضد المقاومة.
في المقابل، ترفض غالبية اللبنانيين اسلوب الضغط والترهيب والتهديد بـ 7 ايار جديد، واتهام المحكمة بالتسييس قبل صدور القرار الاتهامي والاطلاع على حيثياته، ومعرفة المنحى الذي ستسلكه المحكمة خلال جلساتها، وترى ان ما قامت به المحكمة حتى الآن يشير الى عدم انحيازها والى تمتع اعضائها بالصدقية والخبرة والمهنية العالية. وتطالب المعارضين، وفي مقدمهم "حزب الله"، الالتزام بتعهداتهم السابقة بالموافقة على المحكمة، وعدم الانقلاب عليها وتشويه سمعتها واستهدافها سياسيا، والتعاون معها من اجل كشف الحقيقة الكاملة عن عمليات الاغتيال الاجرامية، حرصا على العدالة والوحدة الوطنية، وحتى لا تذهب دماء الشهداء الذين سقطوا في هذه العمليات هدرا.
وتعتقد، ان رفض السيد نصر الله تعاون حزبه مع المحكمة بذريعة التسييس، واصراره على عدم ضلوع اي عنصر فيه بالجريمة، ومطالبته بتشكيل لجنة وزارية – قضائية لبنانية للتحقيق في ملابسات التحقيق الدولي، يؤدي الى تجهيل الحقيقة. وتؤكد ان تمسكها بالمحكمة نابع من حرصها على معرفة الحقيقة واحقاق العدالة، وان قبولها القرار الاتهامي يعتمد على ما يتضمنه من ادلة موثقة وثابتة، وبأنها سترفضه اذا كان غامضا او ملتبسا بالانحياز السياسي، احتراما لـ"الحقيقة" المطلوبة. فهي تريد من المحاكمة ان تكون نظيفة وعادلة، من اجل كشف المجرمين ومعاقبتهم، وليس الانتقام من اي فريق سياسي، لان تسييس المحكمة يؤدي الى اخفاء الحقيقة وتبرئة المجرمين وانزال الظلم بالابرياء. وتتمنى ان لا يكون ايا من اعضاء "حزب الله" ضالعا في هذه الجريمة، حرصا على سمعة الحزب والوحدة الوطنية.
وتعتبر الغالبية، ان تأكيد السيد نصر الله على عدم مسؤولية اي عنصر من حزبه عن جريمة الاغتيال، مع معرفته التامة، ان كل الاحزاب في لبنان بما فيها حزبه، مخترقة من اجهزة الاستخبارات الداخلية والخارجية، يجعلها تتساءل عن الهدف الحقيقي من الهجوم على القرار الاتهامي قبل صدوره، وعلى المحكمة قبل بدء جلساتها، وما اذا كان استهداف المحكمة والعمل على تعطيلها يصبان في حماية بعض الاطراف الاقليمية؟ وتستهجن اتهام "حزب الله" وحلفائه لها بإثارة الفتنة، في حال تسليمها بمضمون القرار الاتهامي، مع علمهم انها مسالمة وغير مسلحة ولا تبغي سوى العدالة، بينما هم يملكون السلاح والامكانات والتجارب السابقة، التي تخولهم زرع الفوضى وزعزعة الاستقرار واثارة الفتنة.
وفي خضم التوتر السياسي والسجال الاعلامي الحاد حول المحكمة، اكدت الزيارة الاستثنائية للعاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز والرئيس السوري بشار الاسد لبيروت، تجديد الحصانة العربية للاستقرار الداخلي. وحضت القمة، التي جمعتهما والرئيس اللبناني ميشال سليمان، اللبنانيين على تغليب لغة العقل والحوار، والابتعاد عن لغة التخوين والتهديد. واوجدت مناخات للتهدئة، تساعد على تقريب المواقف المتباعدة من المحكمة، وترسيخ الوحدة الوطنية. وتشير المعلومات المتداولة، الى ابتعاد الزعماء عن التدخل في اعمال المحكمة، كونها تخضع لسلطة مجلس الامن، وتوصلهم الى تفاهمات ومخارج لمعالجة التداعيات التي يمكن ان تترتب على القرار الاتهامي.
واللافت للانتباه، تزامن الجهود السعودية الهادفة الى توحيد الموقف العربي من المفاوضات الجارية حول القضية الفلسطينية، وتحصين المنطقة العربية من الاخطار التي تواجهها، وترسيخ الاستقرار في لبنان، مع اتهام رئيس مجلس الشورى الايراني علي لاريجاني المحكمة بأنها "تهدف الى الضغط على ايران و"حزب الله"، لمساعدة الكيان الاسرائيلي في طرح برنامج جديد للسلام"، ما يعتبر رسالة الى الدول الغربية، تؤكد تمسك طهران بدورها الفاعل في لبنان والمنطقة، وتحسين موقعها التفاوضي المرتقب حول ملفها النووي، واشراكها كفريق رئيس في عملية السلام، نتيجة إمساكها بأوراق مجمل التنظيمات المقاومة.
ويأمل اللبنانيون، ان تنجح الجهود العربية في احتواء الازمة التي اثارها "حزب الله" حول القرار الاتهامي، بعيدا عن المس بالحقيقة المرتقبة او تجهيلها. وكفى لبنان دموعا ودماء ودمارا.