واخيرا تظهرت الاستراتيجية الدفاعية الحقيقية بأبهى حللها في العديسة الثلثاء… الجيش اللبناني مرجعية كل لبنان العسكرية وحامي الشرعية والسيادة والشعب والمؤسسات في مواجهة العدو المعتدي على الارض والسيادة… انها المقاومة الشرعية والرسمية التي نؤيد والتي نود والتي نناضل من اجلها لانها المقاومة التي على اساساها تتحرك الدول والامم والشعوب لتطويق الوضع، وتنتعش معها الديبلوماسية في اروقة الامم المتحدة وتحبس انفاس العالم كما حصل بالتمام بعد مواجهات العديسة وحتى ساعات الليل الاولى، حيث سرعان ما انعقد مجلس الامن الدولي وابدى قلقه من الاعتداءات الاسرائيلية ومن خرق القرار الدولي 1701.
بينما لو حصل ما حصل مع المقاومة لوحدها لاعتبرت هي المسؤولة بنظر العالم ولما تحركت الدول لبحث الانتهاكات الاسرائيلية ولما قبلت اسرائيل نفسها بالحد من تصاعد العنف. وقد فوجئت بردة فعل الجيش الوطني وبدفاعه المستميت عن السيادة اللبنانية… وقد كان لوحده في ساحة الشرف دفاعا عن لبنان …
وكأن الصدف او العناية السماوية ارادت في مثل هذا اليوم وبعد مرور 48 ساعة على عيد الجيش ان تسقط كلام بعضهم عن ضعف الجيش وعدم قدرته على القتال ومواجهة الاعتداءات والتعديات الاسرائيلية وعن عجزه عن قيامه بمهامه. فها هي العديسة تسقط ورقة التين وتكشف الحقائق حول حقيقة قوة جيشنا الباسل وقدرته على رد العدوان وتكبيد العدو الخسائر… بما توفر لديه من سلاح وعتاد متواضع فأتذكر كلام الحكيم دكتور سمير جعجع عندما قال ان 5000 عنصر من الجيش اللبناني اقوى باضعاف من مقاتلي المقاومة. لقد صدق فعلا ونحن نتابع ونشاهد تحرك الجيش على الارض واستبساله في رد العدوان وتلقين العدو الدروس المناسبة.
انطلاقا من هذا الحدث، لا بل هذا المنعطف الميداني الكبير والهام جدا، نستطيع الاشارة الى ما يأتي:
اولا: ان حادثة العديسة تأتي لتثبت بشكل قاطع قدرة الجيش اللبناني على ردع المعتدي والدفاع عن لبنان ان سمح له بأن يكون على الدوام صاحب المبادرة وصاحب الحق الاول والاخير في الدفاع عن لبنان ومواجهة اي اعتداء اسرائيلي عليه.
فبسلاح وضيع وبقدرة قتالية متواضعة سجل جيشنا ملحمة صمود وموقف عز يفتخر به كل لبناني وبخاصة من كانوا على الدوام ينادون ويناضلون من اجل استعادة الدولة اللبنانية حقوقها المسلوبة في تطبيق القانون ونشر الجيش على كامل التراب الوطني وحماية لبنان وتقرير الحرب والسلم والزود عن الكرامة الوطنية.
ثانيا: ان مواجهة العديسة تؤكد ان وحده الجيش اللبناني هو المقاوم الجامع لكل اللبنانيين من خلال الاجماع الوطني الرائع الذي تجلى بعد المواجهة. وقد اجمع اللبنانيون جميعهم على اختلاف مشاربهم وانتماءاتهم السياسية والطائفية والمناطقية على الوقوف صفا واحدا وراء الجيش الوطني ودعمه ومؤازرته لانهم رأوا للمرة الاولى في جيشهم الامل بنهوض الدولة القادرة على حمايتهم جميعهم والقادرة على جمع ابنائها وطمأنتهم الى مصيرهم – فالاستفتاء الوطني العفوي الذي اعقب المواجهة مع العدو كان خير دليل على ان كل لبنان مقاوم عندما يصبح جيشه مالك المبادرة وصاحب القرار.
ثالثا: ان مواجهة العديسة كتبت صفحة جديدة في تاريخ الصراع اللبناني الداخلي حول سيادية الدولة ووحدانيتها في اتخاذ القرارات الاستراتيجية، واكدت بما لا يدع مجالا للشك ان مطالبة قوى "14 اذار" بالعبور الى الدولة القوية القادرة على حماية كل اللبنانيين والدفاع عنهم من دون الحاجة لمقاومات او تنظيمات او ترسانات عسكرية رديفة سواء لبنانية او غير لبنانية او مثالثة بين جيش وشعب ومقاومة طالما ان الجيش القوي يختصر في ذاته الشعب والمقاومة والدولة وكافة المؤسسات الدستورية والشرعية في البلاد. وقد ثبت للجميع ان حادثة العديسة كانت المؤشر الميداني والسياسي الى قدرة الدولة والقوى الذاتية الشرعية في الامساك بزمام المبادرات ان عملنا جديا على تسليح هذه القوى وفي طليعتها الجيش اللبناني بما يمكنه من الاطلاع بمهامه الوطنية والسيادية بمزيد من الثقة والقدرة الرادعة للعدو.
رابعا: من يمكنه بعد اليوم تهميش دور الجيش اللبناني؟ ومن يمكنه بعد اليوم تفضيل مقاومة اي مقاومة على مقاومة الجيش اللبناني الذي خاض معمودية دمه في العديسة وبات مستعدا اكثر فاكثر لاخذ مكانه الطبيعي في الزود عن الوطن وحماية سيادته واستقلاله – وتصدر اي استراتيجية عسكرية توضع من اجل الدفاع عن لبنان؟
وانطلاقا من هذه الملاحظة، اننا ندعو جميع القوى السياسية الحريصة على تقوية الدولة والجيش والقوى الشرعية الذاتية وفي طليعتها قوى "14 اذار" من مواقعها الرسمية النيابية والوزارية والرسمية في الدولة الدفع اعتبارا من الآن باتجاه زيادة موازنات الدفاع الوطني واعتمادات الجيش اللبناني والقوى المسلحة الشرعية وتشكيل كتلة ضاغطة داخل الحكومة والبرلمان لتقديم مشاريع القوانين والاقتراحات والمشاريع التشريعية الهادفة الى عقد صفقات تسليح الجيش ووضع هذا الموضوع بعد اليوم في اولويات برامجنا السياسية والوطنية – والقيام بحملة اتصالات دولية لتأمين السلاح والعتاد المتطور وتحسين وتطوير التدريبات العسكرية والميدانية وفق احدث واقوى الخبرات القتالية والعسكرية العالمية بما فيها تقوية وتعزيز البعثات التعليمية والتدريبية خارج وداخل لبنان.
انها الفرصة الذهبية لالتقاط الرسالة التاريخية التي وجهها جيشنا الى الشعب في العديسة – فلنثمرها ونبني عليها في مواجهة منطق التشكيك والاحباط من قدر وقدرات قوانا المسلحة الشرعية وعلى رأسها المؤسسة العسكرية الام المؤتمنة الوحيدة على السيادة والاستقلال والحرية والكرامة الوطنية لكل لبناني …
والى طاولة الحوار نقول: انّ ما كنت تجهدين لاقراره على الورق كان جيشنا الوطني السباق في خطه بدماء شهدائه الذكي يوم مواجهة العدو في العديسة، فما من استراتيجية دفاعية بعد اليوم الا تلك التي رسمت خطوطها ومعالمها على تراب العديسة الصامدة …