أنهى الامين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله خطابه الاخير بتوجيه اتهام صريح لاسرائيل باغتيال الرئيس رفيق الحريري، وبوعد بـ"وثائق وحقائق" سيدلي بها في الحلقة المقبلة ستغيّر مجرى التحقيق والحقيقة. فجمع ثلاثة ادوار معاً: دور المحقق، والمدعي العام، والقاضي!
لا يخفى على احد ان اللبنانيين، كل اللبنانيين، ولا سيما نحن "اولياء الدم"، يعتزون لا بل يفتخرون لو ان شهداء "ثورة الارز" وعلى رأسهم رفيق الحريري سقطوا بيد الارهاب الاسرائيلي، فهذه مفخرة ووسام يعلق على صدور شهدائنا. والالم الذي يعتصر صدورنا جراء فقدان كبار الاستقلاليين من رفيق الحريري وسائر الشهداء يصير بردا وسلاما بدل الوجع الذي يسكننا جراء اقتناعنا بأن شهداء "ثورة الارز" سقطوا ضحايا غدر ذوي القربى الذين استسهلوا هدر دماء من ناضلوا في سبيل تحقيق استقلال لبناني حقيقي. هذا هو اقتناعنا. ولكنه يبقى وقفا على ما ستتوصل اليه المحكمة الدولية بدءا بالقرار الظني، وانتهاء بالمحاكمات والحكم النهائي ولو بعد حين. واليوم نقول مرة جديدة اننا نحتكم الى العدالة.
يستطيع السيد نصرالله ان يمضي ساعات وساعات على الشاشات مكملا مسلسله ومحاولاً تدمير المحكمة الدولية، ولكنه لن يغير في الامور شيئا. فلا القرار الظني سيغير وجهته خوفا من بطشه، ولا المحكمة ستتعطل تحت التهديد، ولا تمسك اللبنانيين بالعدالة سيتزحزح بالترهيب المتلفز وغير المتلفز. ان التمسك بالعدالة امر لا مساومة عليه، لأكثر من اعتبار: اعتبار لبناني ان المعادلة المطروحة والقاضية بأن ننسى شهداءنا كي لا يصبح لبنان كله شهيدا هو وعد باستمرار منطق القتل من دون محاسبة الى ما لانهاية. واعتبار يتعلق بالمحكمة نفسها ومفاده أن المحاكم الدولية لا تخضع لابتزاز ميليشيات مسلحة في هذا البلد او غيره، وإلا لما قامت محاكم رواندا وكمبوديا والسيراليون ويوغوسلافيا، ولما جرى الادعاء على رؤساء مثل احمد حسن البشير بارتكابه جرائم حرب، ولما واصل مكتب المدعي العام في محكمة الجزاء الدولية عمله رغما عن موقف عربي رسمي جامع ضده دفاعا عن "زميل" رئيس لدولة عربية. لا خوف على المحكمة من تهديدات تطلق على شاشات التلفزة. واذا افترضنا ان الاتهامات الموجهة الى المحكمة على انها اسرائيلية ستتطور الى استهدافات امنية، فهذا لن يغير في الامر شيئا، سوى انه سيزيد صعوبة موقف الجهة المعتدية على مؤسسة قضائية دولية اقيمت بناء على ارادة دولية و بموجب قرارات دولية واضحة، من شأنها ان تعرض كل جهة او فريق يستهدف اعمالها لملاحقات في كل مكان.
ان الامين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله يقول انه يمتلك عناصر صلبة في ما يتعلق بجريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، فليقدمها الى المحكمة فنكون له من الشاكرين. ولن نسأله عما منعه من تقديم ما كان يملك طوال السنوات الخمس الأخيرة.
يحذرون من التسييس وهم اول واكثر من يمارسه بالغش والخداع ونكث العهود والعودة عن القسم. ويهدّدون اللبنانيين على الشاشات فيزيدونهم اقتناعاً بحقهم في طلب العدالة وعدم الخضوع والاذعان. ان ملايين اللبنانيين هنا وفي بلدان الانتشار يريدون العدالة لا الثأر، والقانون لا شريعة الغاب المستمرة. واما من اراد ان ينسى ويسامح فليفعل، وهذا شأنه وحده.