جاء الاتهام الذي وجهه الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله الى إسرائيل بارتكاب جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري يحجم كل ما تردد عن يد للمقاومة في الجريمة وفي غيرها من الاغتيالات السياسية التي ضربت لبنان في 14 شباط من العام 2005 وبعده، لاسيما ان "السيد" قد وعد بإعطاء مضبطة اتهام موثقة بوقائع وأدلة وأسماء. وهذه الخطوة ستعطي بعداً مختلفاً ربما لعمل المحكمة الدولية التي خاضت في الملف الاتهامي باتجاهات مغايرة، مع الأخذ في الاعتبار مجموعة أسئلة: الأول لماذا تأخر حزب الله في الكشف عن معلومات تكفل تبرئته وخطه السياسي مع حلفائه في الداخل والخارج، وكيف أجاز لنفسه ولغيره الصمت على معلومات عن جناية بحجم اغتيال رجل في مستوى رفيق الحريري، بل ماذا منع الحزب من التصدي لمؤامرة بمثل هكذا تخطيط جهنمي على الوطن بأرضه وشعبه ومؤسساته؟!
في آخر طلة إعلامية للأمين العام لحزب الله (أول أمس) قال ما قاله بعدما تأكد له ولغيره ان من المستحيل عليه عدم كشف المعلومات التي تدين العدو الإسرائيلي، مع العلم ان الحزب قد دفع ثمناً باهظاً جراء الارتكابات والاغتيالات السياسية والأمنية الإسرائيلية طاولت قادة بارزين في المقاومة بحجم الأمين العام السابق السيد عباس الموسوي وبحجم أحد أبرز القادة الميدانيين عماد مغنية وغيرهما، فضلاً عن تفجيرات وأعمال إسرائيلية إرهابية حصدت المئات من أرواح مناصري الحزب في أكثر من منطقة!
من حيث المبدأ، جاء تحديد الأمين العام لحزب الله الاثنين المقبل موعداً للكشف عن معلوماته بمثابة رد فعل لا بد منه لمواجهة مطلق احتمال يمكن ان يتضمنه أي قرار قد يصدر عن المحكمة الجنائية الدولية، بل هناك من يتحدث عن فعل للمقاومة يحدد الإطار الصحيح الواجب سلوكه لكشف حقيقة من اغتال الرئيس رفيق الحريري ووزراء وقيادات سياسية وحزبية، بما في ذلك الانتقال من تلقي سهام الاتهام الى ربط النزاع المصيري مع إسرائيل بكل نقطة دم سقطت من أي لبناني منذ منطلق الأحداث في بدايات العام 1975 وقبله!
والملاحظ في السياق عينه ان الكشف عن الكمية الكبيرة من الضالعين بالعمالة للعدو الإسرائيلي بات يسمح بتحديد المسار الجرمي لكثير من الحوادث الداحية، خصوصاً ان من المستحيل ترك هذه الصفحة مفتوحة مهما اختلفت الاعتبارات السياسية والمذهبية، وهذا ما أكد عليه رئيس الجمهورية ميشال سليمان عندما أعلن استعداده للتوقيع على أحكام إعدام الخونة فور تبلغها!
ومن هنا أيضاً بات لزاماً على الدوائر الأمنية – العسكرية المختصة إحالة ملفات العملاء الى القضاء المختص، إضافة الى أنه من المستحيل استمرار هذا الموضوع قيد التداول الاعلامي وحده حيث يخشى من الوصول الى مرحلة مقايضة سياسية – حزبية لن تكون نتائجها لمصلحة أحد، لاسيما ان سوء الاستخدام الاعلامي هو من أوصل عناصر في حزب الله وفي مؤسسات رسمية وسياسية الى حافة اتهامهم بالمسلسل الطويل العريض من الاغتيالات؟
وهكذا يتضح ان أياماً قليلة تفصلنا عن توضيحات السيد حسن نصر الله ومضبطة اتهاماته التي وعد بإعلانها موثقة ومصورة الاثنين المقبل، على أمل ان ترضي أولئك الذين من المستحيل ارضاؤهم بالكلام وحده، وهذا التطور مرشح لأن يجعل الكثيرين يعيدون تقويم حساباتهم، مثلهم مثل أولئك الذين تأكد تورطهم مباشرة او غير مباشرة بعدد من الأعمال الخيانية التي لا تقل أهمية عن الاغتيال السياسي، طالما ان نتيجة العمالة هي واحدة في القاموس القضائي وفي المفهوم الوطني (…) والجنائي؟!
وأزاء كل ما تقدم، من الواجب أخذ فرصة راحة بين الكلام السابق وبين السجالات التي لم تتوقف، على أمل تهدئة الخواطر وإعادة تصويب التطورات، خصوصاً تلك التي تحمل نكهة سياسية مختلفة من النوع الذي أصاب الحياة العامة في لبنان بعد اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري وعلى مدى سنوات من "المناطحة السلبية" القائمة على بدايات خاطئة ومنطلقات مصلحية وشخصية؟!