وضع يوم أمس "علي أكبر ولايتي" مستشار مرشد الجمهورية الإيرانية علي خامنئي للشؤون الدولية زيارته للبنان في "إطار تنمية العلاقات الطيبة بين البلدين، وللمشاركة في مؤتمر اتحاد الإذاعات والتلفزيونات الإسلامية، والبحث في آخر التطورات التي تعيشها المنطقة"، وكان على "ولايتي" أن يلتزم بحدود ما قاله "عن تنمية العلاقات الطيبة بين لبنان وإيران"، لا أن يتدخل وبشكل سافر ـ مع أنه وزير خارجية سابق ـ في شأن لبناني بالغ الدقة والحساسية بالنسبة للبنانيين، خارجاً على أبسط وكل الأعراف الديبلوماسية بين الدول، حاشراً نفسه في موضوع المحكمة الدولية واصفاً إياها بأنها: "المحكمة الدولية أصبحت في أيدي إسرائيل وحلفائها، ونذكر انه بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري تم اتهام سورية واستمرّ هذا الاتهام لسنوات أربع، واليوم غيّروا وجهة الاتهام ناحية حزب الله والمقاومة الإسلامية. وكما نفى أخونا العزيز السيد حسن نصر الله أية علاقة لحزب الله في هذه القضية، نحن نؤمن بأن هذه المحكمة أصبحت أداة سياسية في يد الولايات المتحدة الأميركية والكيان الصهيوني"!!
أليس هذا الكلام تدخل سافر في شأن لبنان، فالمحكمة الدولية الخاصة بلبنان موضوع بالغ الدقة وشديد الحساسية بالنسبة للبنانيين وهي قضية وطنية جامعة، والالتزام بها مقرر في البيان الوزاري للحكومة الحالية، وعلى طاولة الحوار اللبناني في آذار العام 2006 كانت البند الأول الذي تم التوافق عليه كمطلب وطني لا خلاف عليه، ونص على الالتزام بها رئيس الجمهورية في "خطاب القسم" في حضور ديبلوماسي عربي ودولي بقوله: "إن التزامنا مواثيق الأمم المتحدة، واحترامنا لقراراتها، يعود لقناعتنا الراسخة بالشرعية الدولية المستمدة من مبادئ الحق والعدالة، وإذ نؤكد مساهمتنا في قيام المحكمة الدولية الخاصة، بجريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه، وما تلا من اغتيالات، فذلك تبيان للحق، وإحقاق للعدالة".
كان حرياً بوزارة الخارجية اللبنانية أن تستدعي الضيف وأن تلفته الى انه ليس من حقه التدخل في الشأن اللبناني، وأن عليه أن يحتفظ برأيه لنفسه، فقد زار لبنان "ملك، ورئيس جمهورية، وأمير" ولم يتلفظ واحد من ضيوف لبنان الكبار بكلمة "المحكمة"، فما بال "ولايتي" يوزع اتهاماته بالعمالة يميناً وشمالاً؟!
وربما انتظرنا أن نسمع عن رئاسة الجمهورية أن فخامة رئيس البلاد لفت "زائره"، بأن ما صرح به يزعج اللبنانيين وأنهم يرفضون كلامه جملة وتفصيلاً، وأن المحكمة اللبنانية شأن ومطلب لبناني، ومطلب عربي، ومطلب دولي، وأن من يريد علاقات طيبة بين دولتين لا يتصرف ولا ينطق بما قاله، معتدياً بتصريحه على الشعب اللبناني أولاً، وعلى شهداء لبنان ثانياً، ومتطاولاً على الحكومة اللبنانية، ومتطاولاً على رئاسة الجمهورية نفسها بكلامه عن المحكمة!!
"ولووووه… ذوقوا بقى" وكفى استخفافاً بعقول الناس ومشاعر شعب بكامله، واستبلاهه بهذا الشكل الفاضح، ربما صمت اللبنانيين والتزامهم القانون وإعلانهم القبول بكل ما يصدر عن المحكمة جعل البعض يظن أن باستطاعته ركوب ظهر البلد وشعبه وظهر الشهداء و"دندلة" رجليه، فنهض مستخفاً بالدماء والشهداء وبالشعب اللبناني ضارباً له موعداً تأخر فيه اتهامه وتقديم دليله خمس سنوات"!!! والحمد لله أن "أرشيف" مسيرة الرئيس الشهيد السياسية وما فُعلَ به لم يحترق وسط نيران الانفجار، فلنفتح هذا الأرشيف ولنعد إلى العام 1993 و(قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين).