لم أجد في كل قصة العمالة والعملاء يا إخوان إلا ما يثير الأسى والحزن، ثم بعض نوازع محاججة سياسية واضحة ومُسندة بمنطق بسيط مع من وجّه اتهامات باطلة ضد "بيئة" تشجّع في رأيه ذلك المنحى، ثم ضد جهاز أمني استُهدف بكل التهم على مدى السنوات الماضية فقط لأنه كان يقوم بعمله تماماً، وهو الأمر الذي لم يكن مطلوباً في زمن التفجيرات والاغتيالات.
نعم، هناك من وضع قصة العمالة من أولها في سياق برنامجه ضد الآخرين المختلفين معه في الشأنين السياسي والوطني العام، وتلطّى خلف انتماء لا يعني شيئاً لبعض المتورطين، من أجل التشفّي بالخصم ثم التشهير به، ثم القفز الى استنتاج مفتر وناقص وملتبس ومُعمم مفاده أن هناك بيئة أو منظومة سياسية وفكرية تسمح لذلك السمك السام بالسباحة في وحل ذلك العار.
لم ينتبه بعض الممانعين حتى الآن الى ذلك الشطط الخطير الذي يحيل كل شأن وطني مصيري كبير الى حرتقات داخلية متوهماً القدرة على الاستفادة منها في مشروعه الكبير، بل إن البعض أعطى في الأمس القريب إشارات مبهمة الى استمراره في الربط الاستفزازي والظالم بين خط "الأغيار" وبين ذلك المنحى المدمّر.. علماً أن ذلك البعض بالمناسبة هو الأب الروحي واللغوي لمقولة "أن لا دين ولا مذهب ولا عائلة للعميل كائناً من كان".
صار مفهوماً في بلدنا (على ما أفترض) كل تكتيك المواجهة المعتمد من قبل الممانعين منذ سنوات. وهو التكتيك الذي لم تنفع معه المحاججة بالمنطق ولا مواجهة الحُجّة بالحجّة، والافتراء بالحقيقة، والدسّ بالواقعة، والشتيمة بالرأي، والتزوير بتبيان الأصل والأصيل، والكذب بالصدق، كما لم تنفع معه كل "حقائق" لبنان وتاريخه في الإجمال.. ولا يبدو أن شيئاً آخر سينفع راهناً في التخفيف من غلواء خطابه وافتراضاته البتّارة والنهائية والخلاصية..
غير أن ما يحصل راهناً في شأن موضوع العمالة يُفترض أن يوصل بطريق أو بآخر الى شيء من التواضع ليس أكثر، بما يعنيه ذلك، من أداء تفصيلي وعام يستند الى الواقع، وليس الى خيال أيديولوجي مربوط برؤى أرفع من بني البشر!
لا مكان لتوظيف ذلك التفصيل الخطير والمرير والمحزن في تلابيب المواقف السياسية العامة والكبيرة، فهذه في الأصل فيها ما يكفي من أسباب التمايز والانقسام والتفتيت والكيد والحقد وما يحوم حولها من مفردات التشظي والاحتراب البارد.. غير أن هناك مكاناً لا بد أن يقف عنده بعض الممانعين الأشاوس، وهو ذلك الذي يسمح بمراجعة بعض الأحكام القطعية والكف عن توجيه إهانات شاملة لمجموعات من البشر تُصنّف في دائرة الأخصام، والكف في تالي الأمر عن التشاوف على الآخرين، وادعاء إمتلاك ذلك الختم الذي يمهر شهادات العمالة والوطنية وفقاً لمزاجه السياسي وليس استناداً الى أحكام ووقائع وحيثيات لا تُجادل!
تواضع في شكل الخطاب هو المطلوب ليس أكثر، طالما أن المضمون مربوط بتلك الرؤى السماوية الأبعد من مستوانا كبشر نعيش على الأرض… والسلام!