الخبر الذي نشرته امس الزميلة السفير، كسرّ من ضمن ثلاثة اسرار، وورد فيه ما يشير الى ان لقاء النائب وليد جنبلاط مع كوادر منظمة الشباب التقدمي، اظهر ان التقدم الحاصل في تقبّل خياراته السياسية ما زال «بطيئاً جدا» يستدعي من قيادة «حزب الله» قراءة متمعّنة، ووقفة تمحيص هادئة، وتحليلاً موضوعياً للاسباب التي تجعل جمهوراً عريضاً ملتزماً تاريخياً بقيادته على الحلو والمرّ، لا يتقبل بسهولة خيارات هذه القيادة، بالانفتاح على خط الممانعة في لبنان وخارجه، وحزب الله من رموزه الاساسيين. وهذه القراءة فرصة امام حزب الله للعودة قليلاً الى الانتخابات النيابية في العام 2009، ودراسة الاسباب التي دفعت بالمسيحيين في جميع الاقضية، باستثناء ربما قضاء واحد، الى افهام حليفه العماد ميشال عون بأنهم لا يتقبلون خياراته السياسية، وفي مقدمها تحالفه مع حزب الله وايران، وانفتاحه غير المبرر ولو بالشكل على سوريا، وهم بالتالي غير راضين عن سلوكه، ولذلك استردّوا منه الاكثرية الكبيرة التي اعطوه اياها في انتخابات العام 2005.
ليس ضعفاً من حزب الله ولا تنازلاً، ولا حتى تراجعاً، ان هو حلّل بعمق، وبنيّة الراغب حقاً في فهم هواجس شركائه في الوطن، وأخذها في الاعتبار، بعيداً من جماعة الضاربين بالطبل وماسحي الجوخ، والجياع الى الظهور وصيادّي المغانم، ومنطلقاً بداية من فرضية ان لا اعداء له بل خصوم، يبنون مواقفهم على تجارب ومخاوف وعدم وضوح حقيقة حزب الله، وهل هو حزب لبناني وطني، ام هو حزب اسلامي مذهبي تمتد جذوره الى ايران، وان مقاومته اسرائيل منطلقة من واجب شرعي ديني، ام يتقدم الواجب الوطني اللبناني عنده على ما عداه، خصوصاً ان مقاومته تحمل بوضوح اسم «المقاومة الاسلامية في لبنان»، وحملت في الثمانينات اسم «الثورة الاسلامية في لبنان». ويتساءل فريق عريض جداً، هل ان حزب الله، ينوي الانخراط في الحياة السياسية ووضع السلاح جانباً، اذا انسحبت اسرائيل طوعاً او مرغمة من مزارع شبعا وتلال كفرشوبا والقسم اللبناني من قرية الغجر، ام ان لبنان سيبقى ميدان قتال ضد اسرائيل نيابة عن جميع العرب والمسلمين.
هذه الاسئلة وغيرها الكثير، تطرح يومياً بين الناس المتخوفين من حزب الله وسلاحه و امتداداته، ولا تجد لها حقيقة، اجوبة واضحة وصريحة ومباشرة من حزب الله، بل ان كل ما تسمعه هو قرقعة السلاح واتهامات وتهديدات وعملية تخوين واسعة النطاق يتكفّل بها بعض الذين يحسبون ذواتهم حلفاء للحزب او ناطقين باسمه، دون ان يعمد حزب الله الى محاولة تفهّم ما يفكر فيه هؤلاء الناس، ليس من باب العداء، بل من باب الغموض الذي يلفّ حركة حزب الله في لبنان، وفي هذا الخصوص لا بأس هنا من الاشارة الى ما اسرّ به احد رجال الدين المسيحيين الذين لعبوا دوراً مميزاً اثناء الحرب في لبنان الى صديق له حول علاقة المسيحيين بشركائهم المسلمين، فقال «ما يقوم به اليوم المسيحيون من انشاء صداقات وتحالفات هو عين الصواب، لأنه لا يجوز ان ندير طهرنا الى المسلم السنّي الذي اعلن «لبنان اولاً» ويتمسك بالسيادة والاستقلال، كذلك الامر لا يجوز ان نتخلّى عن الشيعة والدروز الذين بنينا لبنان معهم منذ قديم الزمن. ويضيف رجل الدين المسيحي «ولكن ما لم افهمه حتى الآن لماذا يأخذ حزب الله الشيعة الى مواقف وطروحات لا علاقة لهم بها ولا هي لبنانية».
المؤسف ان الحزب لا يرى خصوماً له في لبنان، بل اعداء ومتعاملين وخونة، وموقفه هذا مبني على اقتناع عنده، بأن اي مطالبة للحزب او المقاومة بالتخلّي عن سلاحها انما هي خدمة تقدّم لاسرائيل، ومن يقدم خدمة لاسرائيل، لا يمكن ان يكون الاّ عدّوا ومتعاملاً معها، ولا يمكن اعتباره خصماً شريفاً، والاقتناع هذا، هو الذي يدفعه الى اخذ مواقف عنيفة ومتصلّبة، على قاعدة انه يتعامل مع اعداء وليس مع خصوم سياسيين، من هذا المنطلق فان اي طرح يقدّمه حزب الله ينظر اليه خصومه بريبة وحذر، وهذا الامر بدا واضحاً من ردود الفعل على المؤتمر الصحافي للسيد حسن نصرالله، والتي صدرت من قوى 14 آذار، علماً بأن قياديين في حزب الله او مقربين منه او حلفاء له، لا يصدّقون كلمة واحدة يقولها قيادي في تكتل 14 آذار، الى درجة انهم يشككون في مصداقيته ان هو قال ان اسرائيل عدوّة.
* * * * *
كيف السبيل الى ردم الهوّة بين ما يفكر فيه هذا الفريق، وبين ما يتمسّك به الفريق الاخر ويعتبر انه من المسلّمات؟
في اكثر من مناسبة رسمية او خاصة، كان رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان يشدد دائماً على ان لا حل في لبنان لاي مشكلة او خلاف او سوء تفاهم، الاّ عن طريق الحوار الدائم غير المرتبط بزمان او مكان، ولأن لبنان بلد الثماني عشرة طائفة، ولأنه على حدود دولة عدوة، ولأن ثقافاته متعددة ومشاكله عديدة، والاطماع فيه كبيرة، لا سبيل امام اهله لاستمرار عيشهم الواحد، سوى الحذر الهادئ المثمر، ونبذ العنف والتحدّي، والتفكير لبنانياً وبصوت عالٍ ليسمعه القريب والبعيد، فهل الامر بهذه الصعوبة التي تمنع اللبنانيين من التواصل والحوار وفهم الاخر والقبول به؟