كتب هشام ملحم في "النهار": اعرب مسؤولون اميركيون بارزون عن دهشتهم وانزعاجهم مما اعتبروه تصريحات متشددة وغير ضرورية صادرة عن مسؤولين مدنيين وعسكريين في لبنان منذ الاشتباك العسكري مع اسرائيل، سواء في ما يتعلق بالولايات المتحدة والكونغرس والعلاقة العسكرية بين البلدين، أم بدور الجيش و"حزب الله" في المواجهة مع اسرائيل، ام بدخول علاقة عسكرية مع ايران. وقالوا ان هذه المواقف لا تساعد في احتواء الوضع، خصوصا "ان الحادث، بما في ذلك الطريق التي كان الجنود اللبنانيون عليها، تقع جنوب الخط الازرق". وحذروا المسؤولين اللبنانيين من ان وقوع حادث عسكري مماثل في المستقبل "سوف يجعل من الصعب على الحكومة ان تحافظ على برنامج مساعداتنا للقوات المسلحة".
وابلغت مصادر مطلعة "النهار" ان بعض المسؤولين اللبنانيين الذين يطلقون التصريحات الانتصارية في بيروت، ربما للاستهلاك المحلي، قد لا يدركون أهمية وقعها أو اثرها السلبي في الولايات المتحدة أو في اسرائيل، وكيف يمكن ان تستخدم ضدهم في المستقبل. واستغرب المسؤولون الاميركيون محاولات العديد من السياسيين اللبنانيين "محو الخطوط التي تفصل بين الجيش وحزب الله"، مشيرين في هذا السياق الى ان اطراف آخرين يستغلون ذلك في المستقبل، في اشارة ضمنية الى اسرائيل.
واضافت المصادر ان فريدريك هوف نائب المبعوث الخاص الى الشرق الاوسط جورج ميتشل، الذي زار بيروت حديثا واجتمع مع مسؤولين مدنيين وعسكريين بينهم قائد الجيش العماد جان قهوجي، أكد للبنانيين وجوب الالتزام الكامل لاحترام الخط الازرق بصرف النظر عن تحفظاتهم عن بعض النقاط في الخط، الامر الذي ينطبق ايضا على اسرائيل، الى حين اتفاق الطرفين على الترسيم النهائي للحدود. واوضحت ان هوف شدد على انه "كان في الامكان تفادي الحادث، وكان يجب تفاديه"، كما انه ناقش مع اللبنانيين الدعوات الصادرة عن اعضاء في الكونغرس اما الى مراجعة برنامج المساعدات العسكرية للبنان واما حتى الى الغائه كليا. ونقلت عنه قوله للبنانيين: "اذا وقع حادث مماثل سوف يكون من الصعب على الرئيس باراك اوباما مواصلة سياسته"، وانه كرر رغبة حكومته في مواصلة العلاقة العسكرية ومساعدة الجيش على بسط سلطة الحكومة فوق كل الاراضي اللبنانية… لكن قدرتنا على تبرير هذه العلاقة وصونها سوف تتاثر بما سيفعله لبنان بعد هذا الحادث".
ومع ان المسؤولين الاميركيين اكدوا في اتصالاتهم مع المسؤولين اللبنانيين وفي تصريحاتهم العلنية تمسكهم ببرنامج المساعدات العسكرية للبنان، الا انهم يقولون انهم لا يستطيعون تجاهل الكونغرس، وخصوصا عندما يطالب زعماء اللجان المختصة بايضاحات عن علاقة الجيش بـ"حزب الله"، او بتفسير وجود الجيش اللبناني جنوب الخط الازرق.
ولوحظ الأربعاء ان مستشار الامن القومي جيمس جونز حين سئل في مقابلة مع شبكة "سي ان إن" الاميركية للتلفزيون عن رأيه في مطالبة بعض النواب بتجميد المساعدات العسكرية للبنان، اعطى مؤشرات متناقضة بعض الشيء، اذ قال: "نحتاج الى بعض الوقت للتفكير في هذا الامر… وعلينا ان نرى بالضبط اين نقف في ما يتعلق بموضوع الاسلحة للجيش اللبناني لنا مصلحة كبيرة في وجود جيش لبناني مستقر ويتصرف بشكل مناسب، وحققنا بعض النجاحات الجيدة معهم". واضاف انه اعجب بالطريقة التي تصرف بها الطرفان عقب الحادث بالنسبة الى الخطوات التي اتخذت لضمان عدم تكراره.
وقالت المصادر ان هوف، الذي كان قبل عقود ملحقاً عسكرياً في لبنان والذي له خبرة طويلة في شؤون لبنان وسوريا ووضع دراسات عن الحدود الثلاثية اللبنانية – السورية – الاسرائيلية وعن الجولان، اجرى "محادثات صريحة ومفيدة جدا" مع المسؤولين اللبنانيين، واستمع بدقة الى شروحاتهم عن الحادث، ووجد ان اللبنانيين "كانوا مدركين حقيقة ان مثل هذا الحادث هو من النوع الذي يمكن ان يصعّد الى شيء أخطر لا يريده كلا الطرفين". وهو قال للبنانيين ان الحادث وقع جنوب الخط الازرق وان اللبنانيين لم ينكروا ذلك. وبعدما اضاف، وفقا للمصادر، انه يدرك كليا وجود تحفظات لبنانية عن بعض النقاط في الخط الازرق بما فيها مكان الحادث، عاد وذّكر اللبنانيين "بأن قرار مجلس الامن 1701 يدعو الى الاحترام الدقيق للخط الازرق كما هو، وهو المقياس عينه الذي ينطبق على اسرائيل في ما يتعلق بقرية الغجر، والى ان يتم التوصل وباتفاق الطرفين (لبنان واسرائيل) الى تعديل للخط، يجب على الطرفين احترامه كما هو الان ".
كذلك شرح هوف للمسؤولين اللبنانيين ان "الحادث قد تسبب بضغوط على العلاقة الدفاعية الاميركية – اللبنانية الثنائية، وهناك البعض في الكونغرس من الذين يدعون الرئيس الى تعليق او حتى الغاء المساعدات الامنية للقوات المسلحة اللبنانية". وبعدما جدد رغبة حكومته في مواصلة هذه العلاقة، عاد ليقول ان وقوع حادث مماثل سوف يجعل من الصعب على الحكومة مواصلة مساعداتها العسكرية للبنان.
ومن المتوقع ان تعاود الاتصالات بين الحكومة واعضاء الكونغرس الذين وضعوا قيودا على المساعدات العسكرية للبنان في الشهر المقبل بعد عودة الكونغرس من عطلته الصيفية.
وقالت المصادر المسؤولة ان المساعدات للبنان لن تعاود الا "بعد ان نعطي الكونغرس أجوبة ترضيهم، فهم الطرف الذي يملك المفتاح لانفاق المال" في اشارة الى دور الكونغرس المحوري في اقرار الموازنة والموافقة على المساعدات الخارجية. وعلى رغم مطالبة أعضاء جمهوريين بوقف المساعدات العسكرية للبنان او الغائها وكانت اخرهم النائبة اليانا روس ليتنن، وهي من اصخب الاصوات المؤيدة لاسرائيل في مجلس النواب، الا ان مطالبة قيادات ديموقراطية هامة في المجلس مثل هوارد بيرمان ونيتا لوي وغيرهما بأجوبة مرضية من الحكومة عن طبيعة المساعدات للبنان وعلاقة الجيش اللبناني بـ"حزب الله"، قبل أي بحث جدي في مستقبل المساعدات للبنان، تعني ان هذه المساعدات سوف تبقى مجمدة في المستقبل المنظور، على الاقل حتى الانتخابات النصفية في تشرين الثاني المقبل، وأن ادارة اوباما لن تدخل في مواجهة مع هذه القيادات، خصوصا أن لديها هي تحفظات وأسئلة عن الاداء اللبناني.
وفي وقت لاحق، أكد الناطق باسم وزارة الخارجية الاميركية مارك تونر أن الوزراة ستجري مراجعة أو إعادة تقويم لبرنامج تعاون الولايات المتحدة مع الجيش اللبناني. ونقل عنه راديو "سوا" الأميركي: "سنجري مراجعة لبرنامج المساعدات الأمنية التي نقدمها الى لبنان كي نتمكن من القيام بمعالجة أفضل للمخاوف الموجودة لدى الكونغرس وتبديدها، وكي نواصل تقديم المساعدات العسكرية إلى الجيش اللبناني".