هل اقتربت نهاية شهر العسل الحكومي، بعدما اثبتت التجارب وجود استحالة امام جرّ رئيس مجلس الوزراء سعد الحريري وطاقم 14 آذار الى تغيير سياسة الدولة، بدليل عدم توقف محاولات الطعن في صدقية السلطة في بعض المجالات الداخلية والاقليمية والدولية، بعكس كل ما يُقال عن ان قمة الرئيس ميشال سليمان والعاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز والرئيس السوري بشار الاسد قد قضت نهائياً على احتمالات حصول اية لعبة داخلية من شأنها اعادة البلد الى شدّ الحبال السياسية وغير السياسية؟!
فالعلاقة وإن لم تبق في زخمها التقليدي بين لبنان والولايات المتحدة، فإن مَن يعمل لتشويهها لم يتوقف لحظة. وهذا الأمر حاصل ايضاً بالنسبة الى العلاقة مع فرنسا ومع الاتحاد الاوروبي والأمم المتحدة، حيث تشعر قوى 8 آذار بأنها مطالبة بشكل او بآخر بأن توظفها في شكل معاكس في ضوء اهتزاز التوجهات السياسية بين كل مَن تقدّم وبين حكومة طهران، فضلاً عن تأثير انعكاس العلاقة المتوترة بين ايران من جهة وبين الدول العربية ذات الانظمة الليبرالية وفي مقدّمها السعودية ومصر!
ويُقال في هذا المجال أيضاً، ان فشل الاخذ بوجهة نظر حزب الله وحلفائه بالنسبة الى موضوع المحكمة الدولية، بات يحتم على مَن لم يفهم منهم انهم تخلّوا عن خطهم المعارض انهم بصدد لعب ورقة هز الاستقرار الداخلي، بعدما أحسّوا ضمناً بوجود استحالة امام اللعب بالقرار الظني للمحكمة الدولية، ومن هنا بالذات يبدو عدم التجاوب مع طلب وثائق ومعلومات حزب الله من جانب المحقق الدولي، من غير حاجة الى اعتبارها غير صحيحة، بل لخلق المزيد من عوامل الشك في المسعى الدولي لاحقاق الحق في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري وغيره في قائمة الجرائم السياسية المخيفة التي ضربت البلد بعد 14 شباط 2005 (…)
والذين يسعون على مدار الساعة الى وضع البلد امام خيار الفتنة والتخويف من تصرف امني غير محمود العواقب، زادوا في المدة الاخيرة من اصرارهم على الطعن المسبق في صدقية المجتمع الدولي ليس لأنهم لا يرون في الأفق حقيقة، لا تنسجم مع وجهة النظر الايرانية، خصوصاً بعدما تبين ان الكلام على مشروع توجيه ضربة عسكرية اميركية الى ايران يكاد يصبح امراً مفروغاً منه، إن لم يكن على حق اميركي في وضع حدّ للهيجان النووي الايراني، فلابد وأن يكون على حق دولي في تجنب الوصول الى صدام نووي لاحق من المؤكد انه لن يوفر سلام واستقرار ومصالح دول كثيرة في المنطقة في مقدمها دول الخليج التي استحال على طهران التأثير السياسي والمذهبي فيها، فضلاً عن ان خطة الاميركيين لوقف عملهم العسكري في العراق قد يشجع ايران على محاولة الحلول محلهم، مع كل ما يعنيه ذلك من اشعال فتيل حرب اوسع وأشمل (…)
وفي اعتقاد اوساط اوروبية غربية مراقبة ان الزعامة الروسية لم تعد حذرة في مجال تعاطيها مع هذا الملف الحسّاس، بعدما اثبتت التجارب ان محاولات تقرّبها الى ايران لم تجد نفعاً، ولا هي اقنعت ادارة الرئيس محمود احمدي نجاد بأن من الافضل لايران خفض عدد مناهضيها وليس العكس، اضافة الى خطأ عدم الاخذ بفكرة تخصيب اليورانيوم في رعاية روسية. وفي الحالين لم تجد موسكو سوقاً تجارية – تفاهمية مع الايرانيين مثلما حصل مع الصين التي تخشى بدورها عداوة طهران، حيث لديها مصالح مميزة وإن لم تكن منظورة في ميزانهما التجاري المشترك!
وما يهم اللبنانيين في الوقت الراهن هو معرفة مصير المحكمة الجنائية الدولية، بعد محاولات تشويه هذا المشروع الذي يكفل وحده معرفة مَن قتل رفيق الحريري وغير الحريري، حيث لا يعقل تصوير مرحلة طويلة عريضة من الويلات والمآسي وكأنها مرهونة بمزاجية قابلة للتشكيك في التحقيق وما قد يتفرّع عنه. وهذا الواقع لم يعد يحتمل دحضاً، لاسيما ان بعض الاصوات لم تتوقف عن اعتبار المحكمة خطيئة وطنياً لا يجوز السير فيها، إلاّ في حال انتفت الحاجة الى تحديد الجاني، فضلاً عن اعتبارات سياسية اخرى قد تأخذ في طريقها الحكومة باتجاه اعادة النظر بسياسة الدولة؟!
أمام هذا الواقع تبدو الصورة الداخلية على شيء من الاهتزاز السياسي المرشح لأن يوصل البلد الى اهتزاز امني من المستحيل منع حصوله بالوسائل التقليدية المتاحة. ومن هنا بالذات حديث البعض عن فتنة اقل ما يُقال فيها وعنها انها تصبّ في مصلحة البعض وهي بالتالي مدروسة من البعض المشار اليه بدقة متناهية ومعلّق عليها آمال محلية واقليمية ودولية تماشي مصالح حلفاء علي حساب المصلحة العامة (…) وأي تصوّر مختلف لن يعكس الواقع السياسي الهش؟!