إختار سعد الحريري ذهب الصمت لا فضة الكلام في مسألة المحكمة الدولية، التي سمع اللبنانيون من السيد حسن نصرالله عرضاً لقرائن قيل إنها من الفضة التي يسعى المدعي العام بلمار الآن الى الحصول عليها لفحصها جيداً، في إطار التحقيق في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري. كما سبق ان سمع اللبنانيون دائماً كلاماً من التنك وما هو أدنى من التنك على ألسن طفيليات من المتسيسين الذين يوظفون أنفسهم شتّامين بمقابل أو من دون مقابل!
في الواقع، عندما يعود الرئيس سعد الحريري من عطلته ليقول: "لن يدفعني أحد الى الكلام وسأتكلم عندما أرى أنه يجب أن أتكلم"، فلأنه يحرص شديد الحرص على ان لا يتدخل من قريب أو بعيد في عمل المحكمة الدولية، لأن أي محاولة للحديث ستبدو تدخلاً سيواجه بالرفض، لكنه سيوحي لكثيرين بأن رياح التسييس أو التأثير في عمل المحققين والقضاة هو أمر ممكن، بما يؤدي تالياً الى اشتعال نار التشكيك المتأججة أصلاً حيال المحكمة !
❐ ❐ ❐
وإذا كانت فرضية التورط الاسرائيلي في جريمة العصر لم تغب سابقاً عن سياق الاحتمالات التي تطرق اليها التحقيق الدولي، كما قيل، فإن المطالبة السريعة من بلمار بالحصول على القرائن التي عرضها أمين "حزب الله" في مؤتمره الصحافي تؤكد، على الأقل في انتظار فحصها قانونياً وتقنياً انطلاقاً مما لدى عناصر التحقيق والادلة المتوافرة، أن المحكمة وبلمار يعملان وفق قواعد الحرص على كشف الحقيقة بعيداً من اي تأثير أو تسييس أو تدخل، وخصوصاً أن سمعة الامم المتحدة وعدد كبير من الدول، التي يشارك قضاة ومحققون منها في عمل المحكمة، مرتطبة بهذه المحكمة التي لم تُشكَّل من أجل رفيق الحريري ورفاقه الشهداء فحسب، بل من أجل قطع دابر الجريمة السياسية المتوحشة في العالم.
أما في ما يتعلق بشهود الزور الذين طال الحديث عنهم، فمن الضروري ان نتذكر أمرين:
أولاً: لو كانت المحكمة "مؤامرة أميركية – اسرائيلية"، كما يقول البعض، لم تكن المحكمة لتوصي بتخلية من أخلتهم رغم كل ما قيل من أن تخليتهم هي مناورة لتأكيد نزاهة المحكمة !
ثانياً: لأن هؤلاء الشهود، أياً تكن الجهات التي دسّتهم على عمل التحقيق، باتوا مع شهاداتهم خارج سياق مسار التحقيق، وخصوصاً عندما قيل تكراراً إن التحقيق أسقط كل ما قالوه ولم يأخذ بأي من إفاداتهم، وان لدى التحقيق أدلة حسية صلبة وملموسة لا يمكن في الأصل تركيبها أو تزويرها.
❐ ❐ ❐
وعندما يطلب بلمار من الحكومة اللبنانية الحصول على القرائن وعناصر الاشتباه التي عرضها السيد حسن نصرالله، الذي يقول انه يملك المزيد منها، فإن ذلك يعني أن المحقق الدولي سيقوم عملياً بالتعامل معها من موقع الحرص على التدقيق في كل عنصر مساعد، كما قال. وفي النهاية سنعرف جميعاً بأي جدية تم التعامل مع هذه القرائن!
وسط كل هذا التطور المتدحرج كان من المثير أو من غير المنطقي أن يفترض البعض ان على سعد الحريري أن يبادر فور عودته من إجازته الى الادلاء بدلوه حيال ما أعلنه نصر الله.
وهذا عملياً أمر غير عادل وغير صحيح، فالمسألة ليست مسألة لعبة "بينغ – بونغ" بالتصريحات والردود، ولأن سعد الحريري ولي الدم، بما يعني أنه حريص أشد الحرص على الحقيقة، ولأنه رئيس حكومة كل لبنان، بما يعني انه حريص أشد الحرص على الاستقرار، لم يكن غريباً ان يوجز موقفه بتأكيد تمسكه وحرصه على الحقيقة وعلى الاستقرار.
❐ ❐ ❐
وفي الاساس، وبعيداً عن كل الغبار الذي أثير حول التحقيق والمحكمة حتى الآن، لا يمكن ارساء الاستقرار في لبنان أو في غيره، وحتى في البلدان التي لم تعرف الجرائم المزلزلة، إلاّ على أساس الحقيقة ومداميكها.
نعم، كل اللبنانيين يريدون الحقيقة ويريدون الاستقرار، كما قال سعد الحريري، الذي حرص على التأكيد ان أحداً لن يدفعه الى الكلام الآن وانه سيتكلم عندما يجد أن عليه ان يتكلم.
… ربما لأن "ذهب الصمت" الآن يخدم الحقيقة، وخصوصاً أن القصة ليست في قريطم أو السرايا بل عند بلمار الذي ينتظر الحصول على قرائن نصرالله.