جدول أعمال واحد: ماذا عن اتهامات جنبلاط؟
غسان تويني
هل من حاجة الى أن نقول ونكرّر أن اللبنانيين – رأياً عاماً ومواطنين على حد سواء – قد سئموا الحوار، حتى "الكلمة" وأنهم يكادون ييأسون، إن لم ييأسوا بعد من جدواها؟
وهذا ما يرتّب يأساً من النظام وكل تطلّع ديمقراطي سواه.
بند واحد ينتظر اللبنانيون حواراً صريحاً في شأنه هو الاتهامات التي أطلقها وليد جنبلاط، معزّزة بالوثائق التي نشرتها "النهار"، وتلك التي لم تنشر والتي يفترض الناس وجودها. وبالطبع الناس تنتظر، بدرجات متفاوتة من الثقة بالتحقيق العدلي الذي أطلقته السلطة التنفيذية في الموضوع، وما يستتبعه هذا التحقيق، وإلى أين يصل ومن يطال وكيف.
وبديهي ان هذه الأسئلة البسيطة تطرح كلها موضوعاً جوهرياً واحداً: ألا تزال الدولة اللبنانية دولة ذات صلاحيات متمايزة ومتكاملة، وقدرات على الملاحقة وإعلان نتائج الملاحقات، والمتابعة؟… ثم التنفيذ وإعلان المسؤوليات والنتائج؟
حوار واحد ثمة حاجة إليه وإلى عقده بسرعة وبالحدّ الأدنى من العلانية، والحد الأقصى من المصارحة والمكاشفة، وبمثل الشجاعة التي تحلت بها مبادرة جنبلاط… أو لا تكون ثمة دولة، ويكون الوطن اللبناني شهيداً آخر نضيفه إلى لائحة الشهداء الذين نحتفل بذكراهم في مثل هذا الوقت من كل سنة ولا ما تستوجبه الذكرى غير الاحتفال و… البكاء.
فهل ينعقد هذا الحوار؟ وأينما كان المكان، مجلس النواب، أم ساحة الشهداء، أم ساحة رياض الصلح (سابقاً…).
وماذا ينتظر الرئيس السنيورة، بالذات، لأخذ المبادرة في الدعوة إليه باعتباره، في النهاية، المسؤول الحقيقي عن جلاء هذه الامور لأنه سيكون المسؤول التنفيذي الوحيد (في غياب، ولا نجزم بعد بقول: "تغييب" رئاسة الدولة وصلاحيتها في حراسة الدستور والوطن!!!) في إظهار الحقيقة واتخاذ ما يترتّب، سلباً او إيجاباً، من تدابير تحول دون استمرار الغموض في الاتهامات، بل استمرار الاتهامات، وكأنها مسألة طبيعية، وطبيعي أن نعيش معها ونتلهى بتبادلها أطراف حديث؟
قلنا الرئيس السنيورة، ولم نقل الرئيس البري، ولو كان هو المنادي الملحاح بالحوار… وذلك كي لا نُتّهم بأننا نريد للموضوع الجديد أن يصبح مادة "أكاديمية" كمصير بقية "البنود" التي تم فيها الحوار، وطويت صفحتها في "توافق" على ما يجب ان يترتّب على الامر… ولم يترتّب شيء، سوى حرية الاستمرار في المطالبة. وكأن الامر دعوة رومنطيقية تزيّن حياتنا السياسية ومناظراتنا الإعلامية، ليس إلا… وتبقى مطلباً فارغاً يلوّح به رئيس السلطة التشريعية المسؤولة عن تمثيل (لانها "التمثيلية" في الدستور) المطالب الشعبية والتطلعات والطموحات، وفي طليعتها الطموح الى السيادة الوطنية التي هي، لا سواها، القضية المطروحة في الاتهامات الجنبلاطية، بل اتهامات وزارتي الدفاع والداخلية، وغداً ربما وزارة العدل… ورئاسة الحكومة عن ذلك غافلة متفرّجة، تستمع "مثلنا مثلها" وكأن ليس في متناولها ولا مطلوب منها غير ذلك.
ما هو هذا المطلوب الذي ننادي به وعليه؟
أولاً: جلاء الحقائق وانتشار المعرفة المسؤولة بها.
ثانياً: اتخاذ التدابير العقابية في حقّ المسؤولين، كل المسؤولين، سياسيين كانوا أم إداريين أم أمنيين أم عسكريين.
والمسؤوليات هذه هي إدارية، في أدنى الدرجات، وسياسية في أرفعها، وعدلية بين هذه وتلك. أي بتعابير واضحة صريحة: الصرف من الخدمة والسلطة، كل سلطة، ثم السجن والاعتقال، مع حق الدفاع عن النفس في حال إنكار المسؤولية… وحق اللجوء الى القضاء، تأديبياً ومدنياً وجزائياً، وحق استئناف الأحكام وتمييزها والطعن فيها وفي مصدريها أشخاصاً وهيئات.
ماذا نصيب من ذلك كله غير التشهير؟
ولماذا نخاف التشهير وهو وسيلة الرقابة الرادعة الأفعل، كما هو ظاهرة "الحكم الشعبي" (اي الديمقراطي) الاولى والأسهل إلى التناول؟
أما بعد، فاللجوء إلى رئاسة الحكومة ورئيسها بالذات وكل صلاحياته التنفيذية، لا يعفي رئيس المجلس "بطل الحوار" من المشاركة في الدعوة إليه، وربما عرض تولي رئاسته وفي مجلس النواب ما دام يفتح الآن أبوابه. واستطراداً تقديم كل ضمانات الموضوعية إلى رئيس الحكومة ووزرائه والقيادات والادارات التابعة له، فضلاً عن ضمانات حرية الكلام جواباً، وبرهاناً، لسائر المعنيين، أحزاباً وإدارات وقيادات… بما في ذلك حرية اتهام الحكومة بكل ما يمكن إثباته!
وختاماً، يخوّلنا تضامننا مع رئيس المجلس في تكرار الدعوات إلى الحوار وبشكل ملحاح، أن نصارحه بأنه إذا استمر متلكئاً، فإنه سيعرّض نفسه ويعرّض كل مؤيديه، بل كل الزعامات والقيادات البرلمانية للاتهام بالتواطؤ، وفي أدنى الحالات، بالخوف، بل بالتغطية.
فحذار، حذار.