"يقال" ان انغام الشتائم والسباب من الاعيرة الثقيلة والمتوسطة والخفيفة ترتفع على السنة الجماهير الغاضبة والمنفجرة غيظا والمندفعة الى قطع الطرق والاوتوسترادات في الموجة الشعبية الجوالة والمتدحرجة والعابرة للمحافظات. "ويقال" ان عاصفة الغضب المحمولة بغيظ آب اللهاب وانحلال الطاقة الكهربائية واندثارها عن بيوت الناس يحمل الناس على توجيه سهام السباب حتى الى زعمائهم. في قلب مناطق نفوذ هؤلاء الزعماء، وضدهم في "لحظات التخلي" التي تنسي الجماهير المتروكة لغضب التحولات المناخية وازمة الكهرباء المزمنة موجبات التأدب والتهذيب وحفظ اللسان، خصوصا متى كان التخلي عن هذه الموجبات "خطيرا" في مدلولاته الى حد شتيمة القواعد "لآلهتها" السياسية ورموزها "المقدسة".
و"يقال" ان الناس بدأوا يفقدون تحت وطأة هذه الشرارة اللعينة، شرارة التفلت من النظام الاصطفافي المتكلس والمتحجر، كل شعور "قومي" عال يوجب بلع الموس وكظم الغيظ ونسيان الذات وشتى انواع الازمات والمعاناة اليومية، وابتلاع الالسن، لان الموجبات القومية العليا وحسن السلوك الانصياعي للقادة والزعماء والانخراط الاعمى في التبعية لهم يحرم الاحتجاج حيث يبدو الصراخ كأنه نذير خروج على الطاعة.
و"يقال" ان هذه العدوى غير الحميدة، مقبلة على ان تصبح قاطرة عملاقة ستلتحق بها تباعا موجبات وموجات متى استطعم الناس حلاوة التفريج عن الكرب و"فش الخلق" وتنفيس الاحتقان خصوصا انهم في بلد ندرت فيه ثقافة التزام القانون وراجت ثقافة العصيان والتمرد على الدولة وامتهانها. و"يقال" ان احدا لا يمكنه ان يزايد على احد في هذه المأثرة العمومية اذ ان بلدا لا يبلغ تعداد سكانه "الاصليين" الثلاثة ملايين مقيم ويقتل فيه ما بين 600 و800 شخص سنويا في حوادث السير وازمات المرور الخانقة وعورات الطرق القاتلة وانعدام الثقافة المرورية، هو شاهد على نفسه في مقتلة انعدام ثقافة القانون والعصيان عليه.
"يقال" ايضا وايضا، وهنا الطامة الكبرى، ان الناس ما عادوا يطيقون "كبائر" القضايا التي تلتهم اعمارهم وحياتهم ومعاناتهم ولا تبقي لهم في جدولة يوميات الوسط الرسمي والسياسي والاعلامي والصحافي سوى الهوامش التافهة والجانبية. اذ ان طبق اليوميات الكبيرة يبدأ بأحوال "كبار القوم" ومناخ العلاقات المذهبية والطائفية على خلفية القضايا ذات البعد المتصل بكل شيء الا قضايا الناس. وهو طبق بات يطبق على الانفاس على نحو خانق، خصوصا ان معاييره وعياراته لا تقل عن مستوى اثارة الذعر المفتعل من فتنة، او امساك القلوب عن عد عكسي للقرار الظني او ضرب المندل حيال اللحظة القاتلة للعدوان الاسرائيلي الآتي في اي لحظة، او اللهاث وراء الارقام القياسية في كشف الجواسيس والمتعاملين، او اطلاق النفير لتقويض التوافق الفوقي في الحكومة ودك التفاهمات العربية والاقليمية الحافظة لاستقرار البلد الراقص على حبل مشدود واهن او اخراج جمل تسليح الجيش من خرم التبرعات الطوعية والقجج في مواجهة التزمت الاميركي اللعين، او استدراك الحملات الاعلامية والسجالات الفواحة بعبق التهويل والتهديد والهبوط الكلامي الى ادنى درك قياسي عرفه البلد المدمن قلة الانتاج وكثرة الثرثرة.
في هذا "النعيم" الفواح يتجرأ الناس على قطع الطرق والشغب والسباب فقط، و"يقال" ان هذه الآفة الطارئة آيلة، لا محال، الى"توظيف" ما، في معامل انتاج الازمات و"تطوير" نسلها وان الامر لا يزال في بداياته!