استمرار الخلاف على القرار الاتهامي يتطلّب استراتيجية لحماية أمن الداخل
إخراج المحكمة من التداول ووضع المقاومة في تصرّف الجيش
تعود هيئة الحوار الوطني الى الاجتماع اليوم لبت مسألة الخلاف على الاستراتيجية الدفاعية التي تدور في حلقة مفرغة منذ أن بدأ الحوار. فهل يظل اجتماع هذه الهيئة مناسبة للمصافحة او لتبادل القبلات وترطيب الاجواء بين بعض أركانها حتى إذا ما انتهت عاد الكلام على التخوين والشتم والتهديد وكأن لا حوار ولا من يحزنون، ولا اتفاق الطائف ولا اتفاق الدوحة ولا حتى قمة ثلاثية لبنانية – سعودية – سورية اشاعت الاطمئنان والطمأنينة وضمنت استمرار الأمن والاستقرار؟
أوساط سياسية ترى ان لا حكومة "الوحدة الوطنية" بالاسم اهتمت بأولويات الناس بعدما دعاها إلى ذلك الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصر الله عند تأليفها ووضع الملفات الشائكة جانباً، ولا هيئة الحوار المفترض فيها معالجة هذه الملفات كانت أهلاً لذلك، بل باتت هي في حاجة الى من يعالج الخلافات بين أركانها، حتى ان ما صار الاتفاق عليه في اجتماعات سابقة ظلّ حبراً على ورق بما في ذلك المحكمة ذات الطابع الدولي التي تحولت موضوع خلاف أشدّ بكثير من موضوع الخلاف على الاستراتيجية الدفاعية لمواجهة أي عدوان اسرائيلي، وباتت الحاجة الى استراتيجية تحمي أمن الداخل من تداعيات الخلاف على سير هذه المحكمة وعلى القرار الاتهامي حتى قبل أن يصدر…
لذلك ينبغي الاهتمام بموضوع المحكمة قبل أي موضوع آخر لأنه هو الذي يهدد الأمن والاستقرار الداخلي قبل أن يهددهما عدوان خارجي. فكما صار اجماع على انشاء المحكمة في هيئة الحوار، فإنه ينبغي أن يصير إجماع على دور هذه المحكمة وعلى الاجراءات التي تتخذها من أجل معرفة الحقيقة للوصول الى العدالة في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه، فضلاً عن اغتيالات مماثلة أودت بحياة خيرة اللبنانيين. وهذا الاجماع يكون بإخراج موضوع المحكمة من التداول في انتظار صدور القرار الاتهامي كي يبنى عندئذ على الشيء مقتضاه، لا أن يبقى هذا القرار موضوع سجال مبني على تسريبات وافتراضات. فالمحكمة نفسها قد ترفض القرار إذا لم يكن مبنياً على أدلة قاطعة، واللبنانيون على اختلاف اتجاهاتهم ومشاربهم ومذاهبهم قد يرفضون هذا القرار إذا لم ترفضه المحكمة. أما الحكم على المحكمة بالقول إنها اسرائيلية قبل أن تصدر أحكامها ففيه تجنٍ على الحقيقة واستباق لهذه الاحكام وإلغاء للمرجعية الدولية المكلفة النظر في جرائم الاغتيال التي وقعت في لبنان.
وتتساءل الأوساط نفسها ماذا يكون موقف من يتهمون المحكمة بأنها اسرائيلية في ما لو أنها أخذت بالقرائن التي عرضها السيد نصرالله في مؤتمره الصحافي، هل تبقى عندئذ اسرائيلية، ولا تنتظر ردّ فعل اسرائيل على الأخذ بهذه القرائن؟
ان الأمر الوحيد الذي يمكن ان توافق عليه هيئة الحوار الوطني هو إخراج موضوع المحكمة من التداول في انتظار صدور القرار الاتهامي كي يبنى على مضمونه مقتضاه، لا أن يكون صدوره وقبل معرفة مضمونه ولمجرد الاستناد الى التسريبات والافتراضات. أما الدخول في بحث وضع المحكمة ومصيرها ورفض القرار الاتهامي قبل ان يصدر، فمعناه اثارة خلاف متعمّد قد يقصد منه اطاحة المحكمة والحكومة معاً وإدخال لبنان مرّة أخرى في فراغ يقوده الى المجهول…
إن الخطب النارية التي صدرت عن الطرف المناهض لمناهض للمحكمة قبل أن تحكم، وللقرار الاتهامي قبل ان يصدر، لم يقابلها الطرف الآخر وعلى رأسه الرئيس سعد الحريري بالمثل بل بالهدوء والروية والتعقل لأن لا شيء تخاف منه النار سوى المياه الباردة… وان المحكمة ذات الطابع الدولي إما ان تعيد القوة الى الحق وإما أن تبقي الحق للقوة.
هذا في ما يتعلق بالمحكمة. أما في مسالة الاستراتيجية الدفاعية، فإن "حزب الله" إذا ظل عند موقفه الذي اعلنه غداة الاشتباكات بين الجيش اللبناني والجيش الاسرائيلي في بلدة عديسة وهو أن المقاومة تضع نفسها في تصرف الجيش، فهذا مدخل مهم للاتفاق على الاستراتيجية، ومعناه ان الجيش هو الذي يقرر متى يكون في حاجة الى سلاح المقاومة ومتى لا يكون في حاجة اليه تماماً كما يحصل بين الجيش وقوى الأمن الداخلي التي تستعين بالجيش عندما تجد نفسها عاجزة عن فرض سيطرتها على الوضع الأمني المضطرب وفض الاشتباك بين المتقاتلين.
ومن جهة أخرى، فإن أي استراتيجية دفاعية يتم الاتفاق عليها في هيئة الحوار الوطني ومن بعدها في مجلس الوزراء ومجلس النواب تبقى استراتيجية لا مفعول لها في مواجهة اسرائيل إذا لم توضع بالتنسيق والتفاهم مع سوريا باعتبار أن بين البلدين "معاهدة الأخوة والتعاون والتنسيق" واتفاق "الأمن والدفاع" اللذين ينبغي أن يكونا أساساً لأي استراتيجية مشتركة لبنانية – سورية كي تكون قادرة على هذه المواجهة، هذا إذا لم تكن استراتيجية دفاعية عربية مشتركة لأن ما يصيب اي دولة عربية من اسرائيل يصيب الدول الأخرى، وإلا استطاعت اسرائيل مواجهة كل دولة بمفردها.
المطلوب إذاً من هيئة الحوار الوطني أن تحسم الخلاف أولاً حول موضوع المحكمة الخاصة بلبنان، لأن استمرار هذا الخلاف يفقد اي استراتيجية دفاعية أهميتها، بل تصبح الاستراتيجية المطلوبة ليست للمواجهة مع اسرائيل إنما لمواجهة الفتنة المحتملة في الداخل وهي أخطر مواجهة وتشكّل خدمة مجانية لاسرائيل.