اصرار بعض الاعلام المكتوب والمرئي، المرتبط اساساً بمنظومة الاعلام الموجّه في تكتل 8 آذار، على الايحاء للرأي العام بأن وزير الدفاع الياس المر، قد قصّر او تواطأ او اهمل بواجباته في تعامله مع موضوع العميد المتقاعد غسان الجدّ المتهم بالتعامل مع اسرائيل، وانه حاد عن الحقيقة عندما روى متى وكيف واين أعلم بتعقّب مديرية المخابرات في الجيش لحركة العميد الجد واتصالاته، ومحاولة هذا الاعلام لفت انتباه الناس الى ان الوزير المر مسؤول عن تسهيل سفر الجدّ الى الخارج قبل القاء القبض عليه، هو محاولة غير بريئة، تتجاوز المهنية الصحافية والحريّة الاعلامية، لتنال من وزير – لا اعرفه شخصياً ولم اتحدث معه مرة – يشغل وزارة من أهم الوزارات في الظروف الدقيقة الراهنة، خصوصاً وان الدولة والشعب على اعتاب تخصيص جهد استثنائي لتسليح الجيش وتجهيزه، وان هذا الوزير يتمتع بثقة لا رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان وحسب، بل ايضا بثقة الاكثرية الساحقة من اللبنانيين، لانه نجح في وزارة الداخلية وهو يطارد المجرمين ومافيات المخدرات، وفي وزارة الدفاع وهو يلاحق الارهاب والارهابيين ومفتعلي الفتن، ويسهر على كشف العملاء والجواسيس، وربما يكون سعي الوزير المر عند العديد من دول العالم لتأمين السلاح والعتاد والتدريب والتحديث للجيش اللبناني، ليأخذ مكانه الاول والطبيعي والدستوري في الدفاع عن لبنان وشعبه، هو السبب في وضع فيتو عليه من قبل التيار الوطني الحر وحلفائه في 8 آذار، عند تشكيل الحكومة الحالية، وهو السبب في خلق هذا الضجيج والاتهامات المبطنة حوله في هذه الايام، على أمل التخلص منه بأي ثمن وأي طريقة.
هذا الاعلام، ومن هو على شاكلته، لا يُدافَع عنه تحت اي شكل وظرف، واود هنا ان اسمح لنفسي، وانقل معلومة سمعتها من زميلنا الحالي العميد المتقاعد نزار عبد القادر، وهو كان لسنوات طويلة مسؤولاً في مناصب كبيرة في الجيش، يؤكد فيها ان وزير الدفاع الاسبق النائب الحالي ميشال المر هو الذي اتخذ التدبير الزجري بحق العميد الجد وليس الرئيس السابق اميل لحود، وانطلاقاً من هذه المعلومة يمكن فهم مدى التجنّي والتحامل على الوزير الياس المر، والخلفية السياسية الكامنة وراءهما.
* * * * *
ان قضية الحملة على بعض الوزراء مثل المر وبارود والنجار ومتري، لا تنفصل عن الحملة التي تحاول احياناً التطاول على رئيس البلاد العماد ميشال سليمان، وتهدأ بعد التصدّي لها لتنطلق مجدداً في طرق ووجوه اخرى، وهي في المحصّلة جزء من الحملة على قوى 14 آذار، التي تهدف الى تفكيك التحالف بين احزابها وشخصياتها كهدف اول، وفك التحالف بين جناحي تكتل 14 اذار، جناح تيار المستقبل السنّي الاكثرية، وجناح الاحزاب والشخصيات المسيحية كهدف ثان، الغرض من هذا الحراك التآمري المستمر، وضع اليد على الدولة، واسكات كل صوت يغرّد خارج السرب «الوطني الصامد» في وجه الذين دفعوا شلالات من الدم، ليبقى لبنان ويستمر حراً سيداً مستقلاً واحةً للديموقراطية في هذا الشرق المظلم.
* * * * *
هؤلاء الذين يأخذون الدولة اليوم الى متاهات لا نهاية لها، من اختلاق ملفات، واستنساخ قضايا ومشاكل، ونشر اجواء مشحونة بالتوتر والتأزم والقلق، والانتقال من نصب كمين الى كمين آخر، هل يدركون المصاعب التي يواجهها لبنان والعالم كله، والتي تهدد وجود الحياة على كوكب الارض، ام انهم يدركونها ولا يهتمون لأن «الانا» الآنيّة عندهم هي الاهم وهي الاولوية.
الا يلاحظ هؤلاء، ان الانفجار الاجتماعي اصبح في مراحله النهائية، ولم يعد ينقص سوى اشعال الفتيل، وقد تكون شرارته عود كبريت طائفي ومذهبي، ام انهم يعرفون ويلاحظون ويباركون.
على أبواب هجوم الصحراء على لبنان، وتحويله من جبل اخضر الى جبل اقرع، مترافقاً مع تغيّر مناخي شديد الخطورة يقسم السنة الى فصلين لا أربعة فصول، ومع اندلاع الحرائق الاجتماعية، كالماء والكهرباء والمدارس، والتلوّث، والبطالة، والجريمة والارهاب، والرذيلة والشحن الطائفي، والهجرة، كيف يمكن للبعض ان يجد وقتاً لنصب الكمائن، وقلب الحقائق، وفكفكة الدولة، واشغال الناس بقضاياهم، بدلا من ان يشتغلوا هم بمعالجة قضايا الناس، ويتركوا الدولة تقوم بما يجب عليها ان تقوم به، بدلاً من ارهاقها واضعافها، واستغلالها وعصرها حتى آخر نقطة حياة.
بعد هذه العصفورية السياسية التي تناولت سلباً او ايجاباً موضوع التحقيق الدولي والمحكمة الدولية، اصبح ناقصاً، للانسجام معها، ان تنشأ محكمة خاصة لمحاكمة الرئيس رفيق الحريري وجميع الشهداء الذين سقطوا معه وبعده وقبله، ولو غيابياً لتعذّر تبليغهم، بتهمة انهم تسببوا باستشهادهم «الطوعي» بضرب الاستقرار في لبنان، وتهديد السلم الاهلي، وتخريب العيش المشترك، والحكم بادانتهم وادانة من نجا بينهم من الموت، مثل مروان حماده، ومي شدياق، والياس المر…