#adsense

مصداقية الجنرال..

حجم الخط

ليس أحلى من وضع الكهرباء عندنا يا إخوان، إلا تعليقات وزير الوصاية على أحوالها. وليس أحلى من تعليقات وزير الوصاية إلاّ كلام جنراله الصادح بالأمس بدرس من عدة فصول كلها من دون تفصيل، خلاصة أحكامه المسبوكة الآتية من المصداقية إيّاها!

منذ مدة حرمنا من طلاّته جنرال الردح، ومن صوته الصادح بالحق في بريّة الباطل(؟) ومن أحكامه النازلة من تجربته الاستثنائية في "نجاحها"(؟)، في كل موقع رسمي وغير رسمي جلس على كرسيه، من قصر بعبدا الى مقر السفارة الفرنسية الى الضواحي الباريسية الى الكونغرس الأميركي صعوداً الى الرابية ثم نزولاً الى مارمخايل.

ولأن كل محطة في هذا المسار فصلٌ قائم في ذاته، وَجُبَ علينا المرور بها سريعاً وعدم التوقف عند التفاصيل المريرة الواردة فيها، ولا العودة الى القراءة والمقارنة بين تفاصيلها.. المهم أن نأخذ ما يقوله حرفياً ونركّ عليه في وقته من دون استطرادات غير محببة وغير مأنوسة.. ولا داعي في هذا الشأن لادعاء القصور، فالأمر أسهل بكثير من إبقاء الذاكرة مقفلة على حشوتها لا تنشّ ولا تبشّ ولا تعرف كيف تفعل ذلك.

وبغض النظر عن محاولة البلف الواردة في ما سلف.. يُقال أن الذاكرة الطويلة تساوي الأفق المغلق في أحيان كثيرة، خصوصاً إذا كانت تلك الذاكرة مليئة بصور وأقوال وأحداث ثقيلة ومريرة ودموية ومن الصعوبة بمكان تجاوزها.. أهل الحروب الأهلية في الإجمال هم في ذلك المقام. وكلما أرادوا الخروج من ذلك المعمعان التمويتي العدمي والعبثي عمدوا الى ثقب ذاكرتهم وتركها على مداها علّها تحفظ الورد والريحان وتلفظ الجثث والمقابر.

وذلك صحيح نسبياً (أي لمن يشاء). غير أن الصحيح أكثر هو ان الأمر خيار ذاتي يمكن أن يتوفر إذا توفرت ظروفه: تنسى تاريخ الانقسام من أجل حاضر مفتوح على مستقبل جمعي وتوحيدي، وتنسى حروب الأمس من أجل سلام اليوم وأمانه وديمومته، وتنسى هرطقات الأمس إذا كان كلام اليوم يقيناً.. لكن العكس لا يركب مهما صدحت الحناجر وانتفخت الأوداج واحمرت الخدود وزاغت العيون مع حركة الأصابع واليدين صعوداً ونزولاً وخبطاً على الطاولة وتطييراً للميكروفون.. أي لا يستطيع جنرال البلف (في حالتنا) أن يقول راهناً كلاماً توتيرياً تحريفياً تفتيتياً كيدياً سيئ النية من أوله الى آخره عن جريمة 14 شباط وعن المحكمة، وأن يكون ذلك الكلام جزءاً من سياق يَعِدْ بالخراب والشحتار والزفت.. وننسى ما كان يقوله قبلاً ثم يمر كل ذلك باعتباره زبدة مصداقية لا تُجادل.

لا ينفع الصوت العالي في هذا المقام السفلي، ولا تنفع رقصة البلف على مسرح التشظي المذهبي، ولا ينفع التمثيل أمام المقابر.. كما لا ينفع التشاطر والتذاكي وإعلان عكس المضمر عند حفافي الوديان وقمم البراكين.

لعبة ممجوجة ومستهلكة يستمر فيها جنرال البلف في زمن لا يحتمل ذلك اللعب.. علماً أن شيئاً جديداً لم يكشف بالأمس عن خصاله المأسورة في شرنقة الأنا.. الشيء الجديد هو أنه كلما حكى كلمة كلما ابتعد خطوة إضافية عن الواقع باتجاه الخيال، وكلما نأت الحقيقة والمصداقية بعيداً عنه الى آخر الدنيا!

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل