#adsense

تجربة بشير

حجم الخط

في تاريخ الشعوب محطات مفصلية ابطالها رجالات تعملقوا في أزمنة وحده الخنوع كان القاعدة السائدة فيها. وهذا يسري على شخصيتين من عندنا، جمعتهما قواسم المواجهة والرؤية والهدف الوطني، كما أنَ المصلحة من اغتيالهما كانت واحدة أيضا، وهما فخر الدين الثاني وبشير الجميَل. أما الهمَ الذي طغى على حراكهما معا فهو بناء دولة.

لقد صمد فخر الدين أمام جيش الأمبراطورية العثمانية وكذلك أمام مغرياتها، فواجه وحالف وتسلَح لتحقيق حلم انتقل اليه من والده الشهيد وغذَته أمَه بالتربية والتنشئة. هذا الحلم الذي رافق الأمير في مفاصل حياته السياسية وشكَل بالتالي هاجسا لدى الباب العالي، هو مشروع قيام دولة مستقلَة في الأمارة المعنيَة. وعندما وجَه العثمانيون احمد كجك باشا للقضاء عليه، كان الهدف من الحملة القضاء على نيَة بناء الدولة بالذات. والغريب أن فخر الدين أبَان اعتقاله في الآستانة، وحسب ما ورد في مخطوطة موجودة في المكتبة الوطنية الفرنسية، توصَل الى أقناع السلطان بأحقَية هدفه وكاد أن ينال البراءة لو أن خصومه من أبناء وطنه، الذين يخشون على مصالحهم منه، لم يفتعلوا ثورة في وجه السلطة العثمانية، ما دفع بالسلطان الى أعدامه، فقضى شهيد حلمه.

وبعد زمن على هذا الحدث، أنجب الرحم اللبناني شخصية لا تقلَ وزنا عما عرف عن فخر الدين. فبشير الرئيس المناضل كان مسؤولا أمام نفسه والتاريخ عن أنجاز مشروع الدولة في وطن تتنازعه استقطابات من كل صوب. لقد عاين هذا الوطن المفكك، المرتهن للتوازن البهلواني، والذي ضيَع هويَته وكاد يذوب في مساحات أوطان الآخرين، فتجرَأ وثار وواجه،غير عابئ بالقدرات اللامتكافئة، وقناعته أنَ العين ستقاوم المخرز ولن تعجز. أمام تمرَده الحديدي سقط الوصيَ وكبت المؤامرة التي استهدفت لبنان لتستبدل به كيانا بكيان، ونجح مخططه الرامي الى نشوء دولة قوية قادرة حديثة منظَمة، منسجمة مع محيطها وذات سيادة لا يمنَ بها عليها أحد. ونجح أيضا برنامجه لأصلاح الخلل الداخلي، على مستوى تنظيم الأدارة والمجتمع، سندا الى مبادئ العدالة وأحكام القانون. لقد أعلن بشير طرحه من دون مواربة، فأجفل القريبين والأبعدين على حدَ سواء، لكنَه كان مقبولا من الشرفاء الذين وجدوا فيه أملا لقيام الدولة التي لطالما انتظروها. فتكوكب حوله الشعب بفصائله التوَاقة الى السلام والعيش الرغيد، حتى أن خصومه التقليديين أشادوا بشخصه، وقال أحدهم: " للمرة الاولى يشهد لبنان رجل دولة". لقد تميّز البشير في توجَهه الى الناس بالقدرة على الأقناع والأستمالة فذهبوا معه الى حيث يريد، صارحهم ونطق بما كتموا وأفرج عن ضيقهم وأعاد الى نفوسهم الثقة بما فقدوا أي بالوطن والدولة. لم يكن لديه باطن وظاهر بل شفافية مطلقة وكشف جريء عن اسلوبه في التعاطي مع القضايا كبيرها وصغيرها. لقد دخل بشير الى القلوب من دون استئذان فحرَك فيها الوجدان الوطني والشعور بالأنتماء لأن مشروعه صاحب الأولوية كان بناء الدولة، الدولة المستقلة. هذا الطرح قضَ مضاجع الذين يعدَون للبنان مشروعا نقيضا، أي ساحة متفجَرة تشهد منازلات أبدية بين المتصارعين الأقليميين، واولئك الذين استغلَوا غياب القانون فأمَنوا مصالح جعلتهم يتربَعون فوق ثروات مشبوهة. وتمَ اغتيال الحلم الذي لم يدم طويلا، فأدخل الوطن في غيبوبة قسرية ضاع فيها التوازن واختلَ الوعي.

لقد داوم بشير على اعلان انه يريد لبنان مساحة الـ10452 كلم مربَع كاملة من دون أي انتقاص، كما استمرَ في اطلاق مشروعه القائم على نشر الدولة فوق هذه المساحة بكل ما لمفهوم الدولة من سلطة وهيبة. وهذا يعني المواجهة بين حق لا يعلو فوقه حق، وبين أهداف هجينة يبغي أصحابها من ورائها القضاء على الكيان. وكادوا أن يصلوا الى ما أرادوا بعد اغتيال بشير، لو أنَ الذين آمنوا بالحلم هجروه. وهنا تكمن ديمومة بشير الشهيد الذي استطاع أن يشيَد في القلوب والعقول عمارة الوطن، فانتصر على قاتليه وأصبح خالدا في الضمائر.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل