ما قاله الرئيس ميشال سليمان عن موضوع المحكمة الدولية، يندرج تقريبا على كل الرؤساء والزعماء والعواصم. فرغم ان سيول الكلام والتحليلات عن المحكمة والقرار الاتهامي، تكاد تفيض عن السيول التي تغرق باكستان، ورغم ان التلويح بالحرائق التي قيل ويقال انها ستجتاح لبنان، يكاد يتجاوز الحرائق التي تلتهم روسيا، يواصل اهل المحكمة الدولية والمحقق الدولي دانيال بلمار الاعتصام بصمت مطبق وراء ابواب المحكمة في لاهاي!
هذا الامر ليس مستغربا على الاطلاق، لان بلمار وقضاة المحكمة يريدون وفق النظام الذي انشئت المحكمة على اساسه، البحث عن الحقيقة في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري والشهداء الآخرين. وهذا يعني ان ليس من مسؤوليتهم ولا يهمهم من منطلق الواجب القانوني والعدلي، ان يقيسوا عملهم بحثا عن الحقيقة وفق معايير لاحتمالات يقال انها ستنتج عن القرار الاتهامي.
❑ ❑ ❑
وسواء وصلت هذه الاحتمالات، التي يتم التلويح بها في بيروت، الى حدود ايقاع البلاد في مصيدة 7 ايار جديد، او الى حدود اسقاط الحكومة بانسحاب وزراء المعارضة، اضافة الى وزراء الاستاذ وليد جنبلاط، بما يؤدي الى ايقاع البلاد والسلطة التنفيذية في الفراغ، فإن ذلك لن يوقف عمل المحكمة الدولية، التي يفترض ان وظيفتها تنحصر في تبيان الحقيقة بما يعني ان ليس لها علاقة او مسؤولية حيال حفظ الاستقرار في لبنان امنيا او سياسيا.
يبدو هذا الامر بديهيا تماما، يؤكده حرص المحكمة والامم المتحدة التي شكلتها، على ابقاء النوافذ موصدة في وجه كل ما يتصل بما يتردد عن الاحتمالات العاصفة، التي ستترتب على القرار الاتهامي، فلا كلمة ولا تعليق ولا رد فعل.
اما عندما يتصل الامر بمجريات التحقيق والعناصر التي قد تفيده، فقد حرص بلمار على ان يكون سريعا في طلب القرائن التي عرضها الامين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصر الله، والتي تتهم العدو الاسرائيلي بالجريمة، ولا بد من ان يكون الآن بصدد فحصها والتدقيق فيها، وهو ما قد يقوده الى مطالبة تل ابيب بما يراه مناسبا لفحص هذه القرائن والدوافع التي جعلتها تقدم عليها، وخصوصاً أنه أعلن أمس ان القرائن التي تسلّمها من السيد نصر الله "منقوصة" بما يعني أنه يريد الحصول على المزيد مما لدى "حزب الله" من قرائن، وهو ما كان ألمح إليه السيد نصر الله في مؤتمره الصحافي الذي عرض فيه القرائن.
❑ ❑ ❑
ليس لدى بلمار اكثر من هذا للاعلان او للتعليق. وحتى اذا ذهب كل لبنان حكومة وشعبا للمطالبة بوقف المحكمة او لاعلان التخلي عنها، وهو امر لن يحصل بالطبع، فان لدى مجلس الامن والشرعية الدولية جوابا واحدا بسيطا ومفهوما ولو كان يصدم البعض:
ان المحكمة انشئت بقرار من الامم المتحدة ووفق الفصل السابع، ولا يمكن اي دولة كبيرة او صغيرة الغاء المحكمة او وقفها الا اذا صدر قرار من الامم المتحدة بهذا الخصوص.
ولان هذه الحقيقة واضحة في العواصم الكبرى، فليس من المستغرب ان تكون بعض المراجعات مع رؤساء وزعماء وعواصم، بهدف تأجيل القرار الاتهامي قد رُدّت بكلمتين: نحن لا نتدخل في عمل المحكمة!
وهكذا عندما يقول الرئيس سليمان: "أوَلست انا رئيس الدولة؟… لم يبلغني احد حتى الآن عن موعد صدور القرار الاتهامي، ولا موعد حتى الآن لصدوره"، فان ذلك يعني فعلا ان حقل الاجتهادات الشخصية عند الكثيرين اتسع كثيرا في الحديث عن ذلك القرار وعن موعده وربما عن محتواه، رغم ما نشرته "دير شبيغل" و"الفيغارو" عن هذا المحتوى، ورغم مسارعة العدو الاسرائيلي الى استسقاء الفتنة والفوضى في لبنان انطلاقا من القول ان القرار الاتهامي سيسمّي عناصر من "حزب الله".
في اطار طوفان المعميات ايضا وايضا، ان يقرأ الناس تقارير ديبلوماسية، لا ندري اين كتبت ومن كتبها وبأي غرض، وآخرها ذلك الذي يقول ان رئيسا اوروبيا يتوقع صدور القرار الاتهامي في كانون الاول لكنه يجهل مضمونه!
ما فائدة هذا الكلام؟
لا شيء اطلاقا، سوى انه يزيد من الدوي والضجيج في مسألة المحكمة التي تقفل على نفسها نطاقا من الكتمان والسرية كشرنقة تعكف على التدقيق والتمحيص بحثا عن الحقيقة التي يعرف المحققون والمدّعون انها ستكون تحت دائرة الضوء العالمي المشدد، ولهذا يجب ان تقترن بأدلة قاطعة ودامغة.
❑ ❑ ❑
على أساس كل هذا يواصل الرئيس سعد الحريري تسويق خطاب التهدئة والحوار والدعوة الدؤوبة الى الابتعاد عن الغرق في السجالات حول المحكمة، مستغربا اصرار البعض على محاولة تعطيل الفرص المتوافرة للتهدئة ومقاربة الامور بالحوار والموضوعية.
ولان المحكمة قرار دولي، فان الكلام مهما اشتد وقام على التهديد والتحريض لن يلغي الحقيقة، ولهذا فان الاستمرار في سياسة التخوين والتخويف، لا يمكن ان يخدم احدا، ولا يمكن ايضا ان يسد الطريق امام عمل المحكمة، بما يجعل تاليا من الهدوء ولغة الحوار والتفاهم المظلة الوحيدة التي يحتاج اليها لبنان.