#adsense

اللبنانيّون تحرّروا من “خوف 7 أيّار” ودخلوا في خوف جديد… حرب الشوارع خروج على القانون

حجم الخط

يشترط بأيّ تشخيص بارد لطبيعة الإشتباك الدامي بين "حزب الله" و"جمعية المشاريع" إعادة الحدث إلى سياقه العام. عندئذ يبرز الإصطدام كأكبر اهتزاز من نوعه للوضع الأمنيّ المفروض على العاصمة وأبنائها بنتيجة عملية 7 أيّار التي لم تخف يوماً طبيعتها "الفئويّة" المتعارضة بالعمق مع ألفباء البلد الميثاقيّ.

إنّ خطورة مشهديّة "حرب الشوارع"، على خطورة إستعادتها كما جرى لليلة كاملة في أحياء برج أبي حيدر وخط النويري والبسطة الفوقا وحي فتح الله وشارع المأمون ومنطقة رأس النبع والبربير ينبغي ألا تخفي أنّها أعادتنا إلى الواقع، بل أعادت الواقع إلى صورته الكاملة بعد أن كان محكوماً علينا أن نراه مجتزأ في السنتين الماضيتين. هذا الواقع يقول إنّ 7 أيّار لم يكن انقلاباً شاملاً ومطلقاً، وإنّ نصف إنقلاب أمنيّ لا يمكن استكماله بنصف انقلاب سياسيّ متمّم له، وإنّ ثمّة دائماً ثمناً سياسياً وأمنياً يدفعه الطرف الذي يبادر إلى نصف انقلاب والذي لا تتيح له طبيعته ولا الظروف أن يمضي إلى انقلاب كامل. كانت السيطرة الأمنيّة على بيروت بنتيجة عملية 7 أيّار سيطرة فاصلة، لكنها بقيت مع ذلك سيطرة نسبيّة، غير مثبّتة، وبقيت بعيدة عن التحوّل إلى هيمنة مطبقة. الإصطدام الدامي الأخير يعيد التذكير بهذا الواقع كاملاً، ومن هذه الناحية فقط يمكن أخذ العبرة، بل أكثر، يمكن إعداد العدّة للتحرّر من الخوف الجاثم في الصدور منذ 7 أيّار. من الآن فصاعداً ينبغي التمييز بين الدعاية التي يقوم بها الطرف المسيطر عن نفسه وعن مدى سيطرته وعن مدى قدرته على توسيع سيطرته وبين الواقع، سواء الواقع القائم الذي يشي بحدود لهذه السيطرة ليس من السهل تجاوزها، كما بمشاريع "إستكماليّة" تدغدغ رأس الطرف المسيطر فتوتّره حيناً وتفرض التوتير على الجميع حيناً آخر.

في المقابل، فإنّ مصدراً جديداً للخوف بثّته الإشتباكات الأخيرة. ذلك أنّه أكبر اهتزاز من نوعه للإستقرار الأمنيّ في العاصمة منذ 7 أيّار، وأوسع ابتعاد عن صيغة ومفردات "إتفاق الدوحة"، كما أنّه الإختبار الميدانيّ الحقيقيّ لوجوب الفصل بين مسألتين: سلاح التنظيمات الذي ينبغي سحبه كليّاً، من بيروت أولاً ثم من جميع المحافظات اللبنانيّة، وتسليمه إلى الدولة اللبنانيّة. والسلاح الذي انوجد في مواجهة العدوّ الإسرائيليّ والذي ينبغي تسوية الخلاف حوله على طاولة الحوار من خلال وضع قراره في إمرة الدولة اللبنانيّة أوّلاً، تمهيداً لوضعه ككل في إمرة الدولة لاحقاً، ولدمجه في أجهزة الدولة في مرحلة ثالثة.

الخوف هنا من تفشّي حالات انعدام الإستقرار ومن تطبيع مشهديّة تحارب فصيلين مسلّحين وتدخّل الدولة للفصل بين المتحاربين، بدلاً من أن تكون الدولة جهازاً قمعيّاً لكلّ المخلّين بالأمن، والمخلّ بالأمن قانوناً هو من يحمل سلاحاً يمكن أن يستدرج سواء من طريق الفعل أو من طريق ردّ الفعل إلى أيّ من مناخات حرب الشوارع، وبالذات في مدينة مفترض فيها تعميق ثقافة إدانة حرب الشوارع.

بعكس كل العنتريات التي سمعناها في السنتين الأخيرتين، فإنّ منطق حرب الشوارع يميل إلى "التعادل الإستنزافيّ" بين جميع الفصائل التي تخوض هذا النوع من الإقتتال، وهو بالتالي منطق يتعارض مع استسهال "الإنقلاب الشامل" إنطلاقاً من مشهدية مفردة ومجتزأة من حرب الشوارع الخاطفة، والمخاضة من جهة واحدة كما في 7 أيّار. في الوقت نفسه فإنّ وجود أرضيّة خصبة لحرب شوارع جديدة هو أمر يرعب المواطنين اللبنانيّين، ويستدعي أن تنبري الدولة من أعلى هرمها وبكامل مؤسساتها إلى تحمّل مسؤوليّتها، إنطلاقاً من جعل بيروت مدينة منزوعة السلاح ومن ثم سحب المسلّحين من كافة الشوارع والأحياء على مدى الخارطة اللبنانيّة.

بمعنى آخر، بعد الإصطدام الداميّ ثمّة عنصر تفاؤليّ يرتبط بنهاية نوع من الخوف كان مفروضاً على الصدور منذ 7 أيّار، ويتصل بانبعاث نوع من الخوف من انتشار الفوضى، ومن تداخل هذه الفوضى مع لعبة المحاور داخل وخارج لبنان، وبشكل أساسيّ من إندراج هذه الفوضى ضمن مخطّطات الطرف الذي يرفع شعار "الإستقرار بدل العدالة". هذا في حين أن الواقع البيروتي يظهر بوضوح خطل هذا الشعار. فلا استقرار إلا على قاعدة العدالة القضائية من ناحية، وعلى قاعدة اعتبار التقاتل في الشوارع خروجاً عن القانون من ناحية أخرى.

في المقابل، ليس هناك من مستند واقعيّ للتحليل الذي يرى أنّه يمكن لهذا النوع من الأحداث أن يستدرج صعوداً للمناخات المتطرّفة على حساب المناخات المعتدلة، وتحديداً الإعتدال والإنفتاح والشراكة في الوسط السنّي، ممثلاً بـ"تيّار المستقبل". مثل هذا التحليل يحاول أن يلبس عباءة "السوسيولوجيا" لكنه أقرب إلى الخطاب الشعبويّ، ذلك أنّ طبيعة الإنقسام المذهبيّ في لبنان تتقاطع مع انقسام بين اعتدال وغلوّ، بحيث إنّ الوعي التاريخيّ الذي أوجدته الطائفة السنيّة لنفسها خصوصاًً بعد الحرب، وبالإرتكاز إلى الظاهرة الإستثنائيّة التي جسّدها الرئيس الشهيد رفيق الحريري، كان وعي أنّها الطائفة المعتدلة، الطائفة التي تجد في الإعتدال قوّتها وشخصيّتها ودورها، بحيث أنّه إعتدال متعدّد المستويّات بالضرورة: إعتدال تقريبيّ بين المسلمين على الصعيد المذهبيّ، وإعتدال تشاركيّ تناصفيّ بين المسلمين والمسيحيين على الصعيد اللبنانيّ العام، وإعتدال متّصل بالإعتدال الرسميّ العربيّ على صعيد المحدّدات الإستراتيجية الأساسية في المنطقة وبالذات في ما يتعلّق بالصراع العربيّ الإسرائيلي وفي ما يتعلّق بالعلاقات بين الدول العربية، وإعتدال متّصل بالتراث الليبراليّ على الصعيد العالميّ.

وعندما يكون الإعتدال مطابقاً لوعي طائفة لنفسها، بل لوحدة هذه الطائفة على الصعيد الوطنيّ العام، لا يمكن الإسترسال في التخوّف من انتشار بيئات "مقفلة" أو "متطرّفة" بل على العكس، يصبح من الممكن تماماً أن يصير الإعتدال مؤثّراً حتى في البيئات "الأيديولوجيّة" أو "الحركيّة" ضمن هذه الطائفة.

على قاعدة هذه المقاربة، يمكن القول إنّ الإصطدام الأخير هو فرصة تاريخية أيضاً أمام الإعتدال ليؤكد مشروعيّته إنطلاقاً من ثابتة أن حرب الشوارع خروج على القانون، وعلى الدولة تحمّل مسؤولياتها بمعية قواها الشرعيّة.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل