فاتن اللبنانيّين
حازم صاغيّة
وليد جنبلاط أكثر السياسيّين اللبنانيّين شبهاً بالحركة، أو ربّما بساعة دقّاتُها تسبق إيقاع الزمن الطبيعيّ. ولأن من يعمل يخطئ فإن من يعمل كثيراً، كوليد جنبلاط، يخطئ كثيراً. إلاّ أنه، مع هذا، يصيب كثيراً. وأكثر ما يصيب فيه، وأكثر ما يخطئ أيضاً، سباقه مع الزمن وما يستدعيه من حركة.
فهو أوّل من ينبّه الى وجهة، وأوّل من يحذّر من خطر، وأوّل من يتجرّأ على مقدّس. يفعل هذا غاضباً، ساخطاً، دراميّاً كأن الويل والثبور أقصر من امتداد اليد. لكنه يفعله، كذلك، بميل الى اللعب يتاخم الخفّة أو يحاذيها. هكذا تتشكّل له كاريزما خاصّة جدّاً هي نتاج المزاوجة بين الدرامي الخطير وبين اللعب اللامبالي الممزوج بسخرية سينيكيّة. فجنبلاط يستطيع أن يُرجف قلوب السامعين أو الرائين فيما هو يهزّ كتفيه، وحين تكون للرجل حساسيّة استثنائيّة حيال الموت، هي بعض ميراثه العائليّ، تغدو المزاوجة أشدّ استحضاراً لتلك الكاريزما وأكثر توكيداً على خصوصيّتها.
وهو يبدو في سباقه الدائم مع وتيرة الزمن لينينيّاً بالمعنى الذي قال فيه لينين إن الثورة ينبغي أن تبدأ هذا اليوم، قبله بيوم نجهضها وبعده بيوم نئدها. لكن وليد جنبلاط لا يخطّط لثورة، بل لمنع ثورة. وهو غالباً ما يبدو في مشروعه هذا وحيداً، وحيداً في المحيط الذي يحاول تأليبه ووحيداً في كونه يسابق الزمن وسط بطء عارم. لهذا نراه أحياناً كأنه في مونولوغ، فلا هم يفهمون عليه ولا هو يفهم عليهم، يائساً من ان يسمعه أحد ويائساً مما قد يفعلون إذا سمعوا. كما نراه أحياناً أخرى يبالغ في التوحّد مع اللحظة التي يسابقها، بحيث ينسى السياق الذي يحيط بها ويغفل عمّا يسبقها ويليها. هنا يخطئ وليد جنبلاط أكثر ما يخطئ.
بيد أنه، من بين السياسيّين اللبنانيّين، البطل الروائيّ الوحيد. فأمين عام «حزب الله» قد يكون بطل ملحمة، وقائد «القوّات» قد يكون بطل شاعر للوجد الصوفيّ. وهما قد يثيران في أتباعهما حماسة لا يثيرها هو، فهما سليلا نصوص مغلقة وهو سليل نصّ مفتوح على الحيرة. هكذا تكون الرواية لجنبلاط وحده. فهو الحاسم في ما يظنّه اليوم، وهو التائب عمّا ظنّه أمس، وهو المراجع لما سبق أن قال أو فعل. ودوماً تراه يقيم على حدود مفصل كبير أو حدث جلل. ولربّما كان شخصيّة شكسبيريّة أشباح لياليه أكثر توليداً للمعاني من أشخاص نهاراته فيما تأتيه معانيه سالكةً دروباً غير مطروقة ولا مألوفة.
ثم إنه دائم التأسيس من صفر، على رغم صدوره عن عائلة تمّ لها التأسيس منذ أزمنة بعيدة. وهو من تلك العائلة لم يرث ميل أبناء ملاّكي الأراضي للراحة، بل تسكنه نضاليّة الحركة التي يُعرف بها «أبناء الشعب». فهو، إذاً، ثابت متحوّل. ومثل المنشقّين والمرتدّين والتاركين والسابقين، يثير أقصى الكراهيّة عند المقيمين على حكمة كان ذات يوم يشاركهم إيّاها. ذاك أن ما يظنّونه جوهرة يظنّه خردة. وما يرونه بوصلة للمستقبل يرميه كما يُرمى حذاء عتيق.
وليد جنبلاط ساحر الحياة السياسيّة اللبنانيّة وفاتنها. ولئن بات النجمُ شرطاً للحدث، فهو نجم كامل لحدث مكتمل: يجعل الخوف سرداً وحكاية، والخوف الذي يحاصر اللبنانيّين ما كان، من دونه، ليجد غير الضجر رفيقاً.