#adsense

لعنة اسمها سلاح الطوائف

حجم الخط

.. لا يغرنك في درب الباطل كثرة الهالكين
ولا يوحشك في درب الحق قلة السالكين"
الامام علي كرم الله وجهه
مصطفى علوش()

من رواية "حكايات ابو النور" لمحمد علوش يقول "كنت أجلس في متجري في شارع سوريا في باب التبانة، كان حملة السلاح من الطرفين المتقاتلين يجتمعون عندي لتسوية بعض الاشكالات "الصغيرة"!، كمقتل عامل تنظيفات خرج وراء لقمة أولاده برصاص مسلح اهوج، أو قضية سيارة عسكرية صدمت طفلا عاثر الحظ كان يلعب في الشارع.. يشربون القهوة، يتسامرون، يغرقون بالضحك على قصة المرأة التي انبطحت على الأرض من الخوف وكم تعبوا وهم يحاولون اصابتها لمجرد المران على التصويب "عمرها طويل مثل القطط بسبعة ارواح.. زحفت عشرات الأمتار ونجت من الموت".

كنت استرضيهم اذا للتخفيف من اذيتهم مردداً "انتم مثل اولادي، نحن جميعا من طبقة مسحوقة، الفقر والمرض والعوز لا يفرق بين الأديان والمذاهب، فما الفرق بين العلوي الفقير والسني الفقير والمسيحي الفقير؟ أليسوا كلهم ابناء دين واحد اسمه لعنة الفقر؟!".

عشية اعتداءات السابع من أيار، اجتمعت نخبة من أساتذة الجامعات في طرابلس لتكريم المنضمين الجدد الى الكادر الجامعي، طلب مني يومها الكلام في المناسبة، فتحدثت عن قوة العلم في مواجهة الجهل وقوة المنطق في مواجهة الغوغاء وقوة العقل في مواجهة سلاح الفتنة الذي انتشر في السابع من ايار ليملأ ساحات العاصمة حقداً وردة مذهبية، صفق لي الحاضرون على مضض احتراماً لموقعي ولكن اجتمع حولي بعدها عدد من الأساتذة الجامعيين المخضرمين ليقولوا لي: "مع احترامنا لما قلته في كلمتك فهو من الناحية العملية ساقط لأن مواجهة السلاح المذهبي في غياب السلطة الجامعة التي وقفت وقفة المتفرج تكون فقط بالسلاح المذهبي".

بصراحة لم يفاجئني هذا الموقف، ولكنه أرعبني مع ذلك لأنه اذا كان هذا هو موقف النخبة المتعلمة من اللبنانيين فكيف يكون الموقف عند عامة الناس؟!
ولم يفاجئني لأنني أنا نفسي في لحظات ضعف فكرت بأن الوسيلة الوحيدة لحماية المواطنين من سلاح البلطجية القابض على حياتهم الحرة والكريمة تحت مسميات متعددة منها المقاومة، وفي ظل تلكؤ السلاح الشرعي عن القيام بدوره، هي بقيام وسائل حماية ذاتية قادرة ومدربة ولو تحت شعارات مذهبية، ولكنني، أنا من عاش تجربة الحرب الأهلية في شبابه، عادت إليّ رؤية الآلاف من أفراد الميليشيات يتجولون بثيابهم المرقطة وكوفياتهم الملونة بشتى الألوان الحزبية، وسياراتهم العسكرية التي تعلوها مدافع رشاشة من مختلف العيارات تزورب بين الأحياء والأزقة.

ولكن أكثر ما أرقني هو ذكرى آلاف الضحايا التي لم يبق منها إلا صور كانت تملأ جدران الشوارع وكلهم تسبقهم عبارة "الشهيد". منهم من سمي شهيد الواجب أو شهيد الغدر أو شهيد المقاومة أو شهيد الوطن أو غيرها من الشهادات ولكن في كل الأحوال وكما قالت فيروز "أساميهن عندي وكلن راحوا بس اللي راحوا راحوا".

لماذا هذا الكلام الآن؟ لأن ما أفرزته أحداث الأسبوع الماضي في برج أبي حيدر، وانفلات الغرائز المذهبية التي توجتها مسألة إحراق المساجد، قام، وربما بشكل مقصود، يإبقاظ وحش كنا ظننا أنه مات ودفناه عشية يوم 14 آذار يوم تاب معظم اللبنانيين عن آثامهم الطائفية وأخطائهم المذهبية. قد يكون هذا في الواقع من المستحيلات، لأن استمرار وجود السلاح خارج سلطة الدولة ومعقود اللواء لسلطة الطوائف والمذاهب لا يزال يشكل عائقاً كبيراً في وجه قيام السلطة الجامعة التي تغني أبنائها عن سلاح طوائفهم.

ولكن في الواقع، فإن سلاح الطوائف لم يؤمن يوماً الحماية لهذه الطوائف بل على العكس، فقد خلق بيئة متوترة داخل كل طائفة والتي سرعان ما تنقلب الى الأذية والتنكيل ضمن طائفتها لتصبح عبئاً ثقيلاً عليها عاجلاً أم آجلاً.

لذلك فإن واجبنا هو بالاستمرار بالتأكيد على نبذ سلاح الميليشيات تحت أي من المسميات، والضغط بشكل حثيث على الدولة وأدواتها الأمنية لتأخذ دورها الفاعل في حماية الناس، كما أنه يجب تحويل نقمة الناس وخوفهم من تكرار ما حدث الى عامل ضغط ايجابي في سبيل سحب السلاح تحت مختلف المسميات من بين الأزقة والزواريب وتحرير المواطن من الخوف الدائم من ان يرى السابع من أيار يعتدي عليه من جديد.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل