#adsense

“مغر الطحين” موقع أثري وتاريخي في بعلبك حوّله الاهمال مسربا لمياه المجارير وزرائب للحيوانات

حجم الخط

كتب وسام اسماعيل في "النهار":

تزخر بعلبك بالعديد من الآثار المهجورة والمنسية رغم أنها تعبر عن عراقة المدينة وجذورها الراسخة في القدم وباتت تحتاج لمن ينفض عنها غبار الزمن. لكن ويا للأسف، لا يتم الحفاظ على هذه المواقع ولا تعار أي انتباه او رعاية من وزارة السياحة والمديرية العامة للآثار او من المجالس البلدية المتعاقبة، ومن بين الآثار المهمشة والمهملة التي تعتبر من المقالع الأثرية المهمة "مغر الطحين"، الاسم الذي أطلقه عليه السكان.

زائر بعلبك وتحديدا وسط منطقة الشراونة، سيندهش بما يرى من جمال وتراث لكهوف مهملة وهادئة، تاركة له التمتع بالنظر اليها وهي تتماهى بلون تربتها وصخورها وقد استعارت التسمية من اسم الصخور الكلسية البيضاء التي تتكون منها الكهوف المعروفة بمغر الطحين، فهي عند تفتتها تشبه دقيق القمح "الطحين".

وموقع "مغر الطحين" هو الاكثر دهشة وأقدم المواقع الاثرية في المنطقة وربما في لبنان، والاكثر أهمية واهمالا. لقد كان يشكل محطة استوقد منها التاريخ صفحات ناصعة لأجياله المتعاقبة، فكانت تضم العراقة والحضارة متمثلة في مقلع حجري نادر تحت الارض يسمى "ساتريون". يتألف "مغر الطحين" من عشرات المغاور والكهوف المتداخلة في ما بينها بسراديب وأبواب لا تخلو من النمط الهندسي على طريقة ما كان معتمدا منذ آلاف الأعوام. فثمة كهوف على شكل مستطيل او مربع، ويتميز بعضها بهندستها المستديرة كما نجد عددا من الرسوم الهندسية في الابواب كالنصف الدائري والمستطيل لتسهيل عملية نقل القطع الحجرية، كما أكد أحد خبراء الآثار لـ"النهار".

سراديب محفورة في الصخر
يحظى "مغر الطحين" بمنافذ تتصل بسراديب محفورة في الصخر ضمن أنفاق تمتد نحو كيلومترين، متجاوزة القلعة باتجاه تلة الشيخ عبد الله المشرفة على معابد قلعة بعلبك الاثرية التي تضم عند منحدرها مقلعا رومانيا، كذلك في محلة تل الكيال غرب بعلبك حيث يقبع مكانه "مكبّ الكيال"، اضافة الى مقلع آخر عند شرق المدينة في وادي الشعب مباشرة استعملت لبناء القلعة.

معظم سكان المحلة لا يعرفون أهميته الاثرية ويجهلون تاريخه، فهم يعتبرونه كهفا يتألف من فروع عدة كان يستعمل للسكن يؤدي الى اطراف المدينة وقد أقفلت معالمه بفضل بناء المنازل ولم يبق منه سوى كهوف مهملة شاهدة على جهل الخلف بمآثر السلف. فالخراب الطبيعي قد يكون أسهل في بعض الحالات مما لحق بها بفضل أيدي العابثين التي حولتها زرائب للحيوانات، وشوهت معالمه التاريخية والاثرية وجعلته مسربا لمياه الصرف الصحي.

أمام كل هذا العبث الذي تتعرض له آثار المغر، لم تتحرك الجهات الرسمية ولم تولها الاهتمام الكافي فاكتفت بافراغ الكهوف من الحيوانات والجياد التي كانت تشغلها ووضع باب حديد يدل على أنه لم تطأ قدم أي مسؤول أو خبير أثري أرض هذا الموقع منذ مدة طويلة.

المياه الآسنة منعت دخول الخبراء
ولدى زيارة "النهار" الموقع، استطعنا بصعوبة بالغة أن نبقى دقائق قليلة في داخله لالتقاط الصور نتيجة الروائح التي تنتشر في أرجائه، ولاحظنا بشكل واضح أنابيب المياه المبتذلة موجهة داخل أحد الكهوف التي أقفلها الاهالي بالباطون والحجار من دون رادع او مساءلة أحد. فمجرد الاقتراب منها، يمكن سماع هدير المياه الآسنة المتدفقة بغزارة داخلها لتجد تصريفا لها في جوف الارض.

وأكد مصدر في مديرية الآثار لـ"النهار"، أن "مغر الطحين" لم تدرس قبل السبعينات ورفعت خلال العام المنصرم صورة طوبوغرافية عن الموقع لفريق البعثة الالمانية التي بدأت البحث فيه، إلا أن النفايات أعاقت عمله في الخارج. أما داخل الكهوف فلم يستطع الخبراء الالمان الدخول برفقة خبير لبناني نتيجة المياه الآسنة، ورغم رش المبيدات.

أما العائق الاكبر، فهو ان عقار المقلع ملك الدولة بينما العقارات المجاورة هي أملاك خاصة، ورغم تصنيف مديرية الآثار للمنطقة، يمنع البناء فيها ومعدة للاستملاك من قبلها ورفض تصاريح البناء، إلا أن ورش البناء مستمرة.

وأشار الى ان الدراسة تحتاج الى وقت اكثر خصوصا أن من تتولاها بعثات أجنبية، لافتا الى ان الدور الأهم هو معالجة الكهوف من مياه الصرف الصحي بأسرع وقت كونها مواد تهدد الآثار والكهوف.

أخيرا، نضع هذه المشكلات بين أيدي المعنيين الذين من المؤكد أنهم على علم بها، وخصوصا أن المصاعب التي تواجه "مغر الطحين" ليست جديدة على الموقع. فالاعتداءات والاهمال وتجاهل المواقع والاكتشافات الاثرية، تتكرر في بقية المواقع البعلبكية التاريخية.

المصدر:
النهار

خبر عاجل