#adsense

سوريــا والشيعــة اللبنانيون

حجم الخط

اقتضى تزايد عدد الكتاب المساهمين في محور "مع رمزية رحيل كامل الاسعد: علاقة الشيعة بالكيان اللبناني بين الماضي والحاضر" تسريع وتيرة النشر، ولهذا نقدم الى اليوم موعد مساهمة الزميلة نجاة شرف الدين بدل الجمعة المقبل.

عندما أطلق الامام موسى الصدر في العام 1976 كلامه الحاسم بقوله "لا ضمانة للبنان لمنع التقسيم سوى سوريا" لم يكن ذلك وليد اللحظة السياسية فقط بل اعتبر انه يستشف المستقبل ولا سيما التهديدات الاسرائيلية للجنوب اللبناني فحاول تمتين العلاقة اللبنانية السورية من أجل حماية لبنان.

هذا الموقف الداعم والمدافع عن الدخول السوري الى لبنان في بداية الحرب الاهلية عززه بعلاقته وثقته بالرئيس الراحل حافظ الاسد وإشادته بـ "دور وموقع سوريا القومي بقيادة الاسد من أحداث لبنان والحيلولة دون تنفيذ مؤامرة التقسيم".

لقد وضع الامام الصدر حجر الاساس في العلاقة الشيعية – السورية بعد أن عاشت الطائفة منذ قدوم الامام الصدر في العام 1959 تحولا في إتجاه وضعها على الخريطة السياسية اللبنانية نتيجة حرمانها من إمتيازات في السلطة لدى تشكل النظام السياسي ما بعد الاستقلال. وقد شهدت هذه المرحلة انكفاء للشخصيات الدينية في مقابل اهتمام القيادات الاقطاعية بالمصلحة الشخصية وليس لحساب تكوين تيار سياسي.

في بداية الستينات دعا الصدر الى بناء العمود الفقري للشيعة من خلال مأسسة الطائفة فكان المجلس الاسلامي الشيعي الاعلى وهيئة نصرة الجنوب وصولا الى العام 1970 مع قيام مجلس الجنوب بعد اعتصام دعا إليه الصدر.

في موازاة العمل المؤسساتي للامام الصدر والتعبئة الداخلية للطائفة ضد إسرائيل التي اعتبرها "شرا مطلقا" أسس حركة المحرومين التي تحولت الى أفواج المقاومة اللبنانية "أمل" كإطار عسكري لحركة المحرومين مع اندلاع الحرب الاهلية في العام 1975.

لقد عمل الامام الصدر على تحصين الموقع الشيعي الداخلي من خلال دعوته الى بناء الدولة العادلة والى بناء علاقة إستراتيجية مع سوريا من أجل تعزيز هذا الموقع وقد لعب دوراً أساسياً في التقريب بين سوريا والمقاومة الفلسطينية مما أدى الى علاقة متوترة مع الفلسطينيين، وبين سوريا ومصر وهو ما بدا واضحاً من خلال الوثيقة الدستورية في العام 1976.

هذه العلاقة التي بناها الصدر مع الاسد الاب استكملت بعد تغييبه في العام 1978 مع حركة أمل ورئيسها الرئيس حسين الحسيني الذي حافظ على الارث الصدري بالنسبة لهذه العلاقة وهو لعب دوراً أساسياً أيضاً فيما بعد من خلال موقعه كرئيس لمجلس النواب ما بين عامي 1984 و1992 ورعايته لاتفاق الطائف.

العلاقة السورية توطدت كذلك مع حركة أمل بعدما ترأس الرئيس نبيه بري الحركة في العام 1980 وكانت إنتفاضة 6 شباط والحروب الداخلية التي جرت بالتنسيق مع سوريا وصولا الى إتفاق الطائف الذي حدد هذه العلاقة المميزة بين لبنان وسوريا وحسم موقع الطائفة الشيعية كإحدى الطوائف الثلاث الكبرى، الموارنة والسنة والشيعة.

الواقع الشيعي عاش أيضاً على إيقاع المتغيرات الاقليمية والدولية مع قيام الثورة الايرانية في العام 1979 وبداية نشأة "حزب الله" في العام 1985 من رحم حركة أمل وكان الاصطدام الدموي الاول في العام 1987 دليلا على التنافس الايراني – السوري على القرار الشيعي الذي لم يحسمه سوى التلاقي الايراني السوري.

في التسعينات ومع بداية تطبيق إتفاق الطائف برعاية سورية وحل الميليشيات بقي سلاح المقاومة خارج دائرة السلطة السياسية لحماية لبنان من التهديدات الاسرائيلية.

في العام 1992 ترأس نبيه بري المجلس النيابي ودخل الرئيس رفيق الحريري الى نادي رؤساء الحكومات ثم ترأس "حزب الله" السيد حسن نصر الله بعد إغتيال السيد عباس الموسوي فكانت مرحلة عنوانها التلاقي بين المقاومة والاقتصاد وضابط الايقاع الاساسي لتوازن تلك المرحلة هو سوريا.

العلاقة الشيعية مع سوريا ثبتت في تلك المرحلة بمشاركة إيرانية عبر الثنائي الشيعي "حركة أمل" و"حزب الله" وكان الانسحاب الاسرائيلي من الجنوب في العام 2000 أول محطة اختبار لمستقبل العلاقة مع بداية الضغوط الداخلية من أجل سحب سلاح المقاومة والكلام الذي بدأ عن إعادة انتشار القوات السورية في لبنان تطبيقاً لاتفاق الطائف ومع غياب الرئيس حافظ الاسد ووصول الرئيس بشار الاسد الى سدة الرئاسة في سوريا.

لقد شكلت المرحلة السورية الشيعية في عهد الرئيس الاسد الابن مرحلة جديدة حافظت على الحلف الاستراتيجي مع الثنائي الشيعي من خلال دعم المقاومة عسكريا إضافة الى دعم الموقف الشيعي الداخلي سياسياً.هذه العلاقة كانت لا تزال تتأثر أيضاً بالتغييرات الاقليمية. فبعد حرب العراق وتعزيز النفوذ الايراني فيه ومع اغتيال الرئيس رفيق الحريري في لبنان في 14 شباط من العام 2005 وخروج الجيش السوري من لبنان في نيسان 2005 والتحقيق الدولي الذي أدى الى إنشاء المحكمة الدولية بقرار من مجلس الامن الدولي استطاعت الطائفة الشيعية تجاوز مرحلة غياب الداعم الاساسي لمشروعها، وهو سوريا مع المحافظة على موقعها سياسياً وتقويته عسكرياً بعد حرب تموز 2006، وصولا الى إتفاق الدوحة الذي كرس الثلث المعطل أو الضامن في حكومة الوحدة الوطنية.

لقد شكلت مرحلة ما بعد إغتيال الرئيس الحريري اختباراً حقيقياً لمدى العلاقة الاستراتيجية بين سوريا، والثنائي الشيعي "حزب الله" و"حركة أمل" وقد عملت سوريا دور العراب في تقريب العلاقة، بين "أمل" و"حزب الله" التي قامت على التفاهم بين المقاومة السياسية للرئيس بري والمقاومة العسكرية لـ"حزب الله" من أجل تعزيز الدور الشيعي الذي يلتقي إستراتيجياً مع منطلقات سوريا في نظرتها الى الصراع مع إسرائيل وحق المقاومة في الدفاع عن الارض.

لقد أعطى الصراع مع إسرائيل للشيعة موقعاً متقدماً في الواقع السياسي اللبناني وعزز العلاقة مع سوريا وهو يعتبر من أسس هذه العلاقة. وعلى الرغم من المتغيرات العديدة التي عاشتها المنطقة لم تتحول هذه العلاقة الى ظرفية نتيجة الجغرافيا والسياسة، والرئيس بري يكرر دائماً "ان سوريا تشكل العمق العربي الوحيد للبنان"، وحتى مع دخول إيران على خط هذه العلاقة ورغم الاختلاف في بعض القضايا في المنطقة بين إيران وسوريا إلا ان الثابت في هذه التحولات هو الحاجة الاستراتيجية غير المتأثرة بالتطورات الظرفية، ما بين الشيعة في لبنان وسوريا.


* حوار لـ"النهار" مع الإعلامية في قناة "المستقبل"نجاة شرف الدين

المصدر:
النهار

خبر عاجل