#dfp #adsense

.. العاصية!

حجم الخط

منذ سنوات طويلة يا إخوان، ابتُليت بيروت أكثر من غيرها بواقع رغبة كل صاحب مشروع موضوع تحت خانة مقاومة إسرائيل في أن يحوّلها إلى رديف لوجوده، ومداراً لأمنه، ومصبّاً لطموحاته، ومخزناً لسلاحه، ومنبراً لرأيه، ومطبعة لكتبه، ومستشفى لأمراضه، ومنصّة لخطابه، وساحة لكرته التنظيمية، وإذاعة لأفكاره الخاصة، وجريدة لوجهة نظره وحده.. إذا أمكن.

وتستحق هذه العاصمة العاصية كل ذلك الترف التوددي إليها. وكل ذلك الجموح نحو إعتلاء برجها العالي المطلّ على غيرها من عواصم المنطقة، بل المطلّ على العصر وسط غابات من الباطون المسلح النامية في عصور أخرى.. حسدها حُسّادها الكثر على ترفها هذا، ومَن لم يقدر منهم على تطويعها وحفظها تحت إبطه بالحديد والنار، رماها بضربة عين ورمى الخرزة الزرقاء في بحرها كي لا تُشفى.

منذ سنوات طويلة، وهذه العاصية.. عاصية على التطويع. تلتّم على تجاربها المريرة وتحصي خسائرها، وتنزوي وراء راهنها العبثي المدمّر، وتبرك على أمل الرجاء ثم يناغيها الزمان ويناجيها فتعود إلى دأبها وعادتها وسر كينونتها: مدينة للحياة، تأسر محبّيها برفعة العيش وتترك لكارهيها شظف التحسّر والأسى والاقامة على هامشها في بنيان ملتبس ومموّه ومشوّه، يفترض ساكنوه أنهم شفوا غليلهم بتدميرها وما هم إلا مدمرون لأنفسهم أولاً ولا يدرون!

كأنها لا تليق بهذا الشرق ولا بالمشرقيين المعاصرين، وكأنها تمثل فائض قيمة حضارية حداثية في محيط إرتضى واختار الإقامة في الماضي وشروده نحو الطغيان ونفي التطوّر.

ثم أكثر من ذلك، بل قبله وبعده وفوقه وتحته، شكلّت قطب الرحى في استهدافات مشروع اللصوصية الإسرائيلي في الأرض العربية، لا يكتمل من دون تدميرها وتفتيتها وجعلها كرنتينا موبوءة بتنوّعها وتعدّدها وضبّها لمتناقضات ما أنزل الله بها من سلطان. ولا يكتمل من دون جعلها مثالاً للعته والخرف المطروحين في أي مشروع بديل للغيتو الصافي في عنصريته وقوميته ودينه.. أُريد لها أن تتحطم كي لا تظل كما هي عنواناً لتجربة مضادة ممنوعة من المشي للوصول إلى بداية إقامة شيء من العدل: إعادة جزء من الأرض المسروقة والمنهوبة والمحروقة، وإعادة جزء من أهل تلك الأرض إليها، وإعادة الاعتبار لفكرة التعايش في مواجهة التنابذ والإبادة.

جاؤوا إليها من كل الجهات، كسروا خاطرها وزلزلوا أرضها ويبّسوا أوردتها والعروق الخضر، ثم ما وجدوا إلا ستر الليل ليهربوا منها إلى حصارهم وشرنقتهم..
صعقتهم بمقاومتها بعد أن بقيت وحدها، وارتضت بعد ذلك إدعاءات كثيرة بأبوّة ما ولدته هي.. ثم بعد ذلك بسنين وسنين يأتي مَن يريد أن يتمخطر أمامها تحت تلك الراية ناسياً أو متناسياً البدايات والدروس، والطموحات الصافية لمشاريع أعداء العرب من أولهم إلى آخرهم.. والسلام!

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل