ما أقام إلا في خطاب الود والأنس والعمران، وما واجه إلى خطاب الصد والخصام والخراب. وفي كل مرة يستعير من أيوب كل ما لديه من صبر وأناة، ويستعيرون من أساطين الهيجان كل مفردات التوتر والغضب والشحن الفالت على غاربه.
إنه الفارق بين منطقين، واحد يرى مثلاً أن مواجهة إسرائيل مسار متكامل أساساته تأتي من بديهيات العداء لمشروع عنصري لصوصي تام وخالص وصاف لا يُواجه إلا بالإجماع طالما الوحدة مستحيلة، وبالحفاظ على تماسك شعوب ومجتمعات وكيانات رداً على مخططات تفتيتها وتشليعها، وبالعقل طالما أن الغريزة أخذتنا الى مهاو لم نطلع منها بعد.
ومنطق آخر يرى أن مواجهة إسرائيل تبدأ وتنتهي بالصراخ وبالدخول الى مسرحها ولعب لعبتها الكامنة أساساً في إشاعة منطق التفتيت والتجزئة والتوتير الدائم والمستمر، والدقّ على وتر العصبيات بكل أنواعها وأجناسها وأمراضها وأوبئتها.. وباعتماد خطاب الحديد والنار من دون التمكن من نواصيه حتى النهاية، ومن دون الإمساك بلجامه وفق أصول الفروسية وأخلاق الفرسان!
منطقان متنابذان رغم وقوفهما على منصة واحدة وطنية وقومية (لسانية) ودينية (لمن يشاء)، ورغم خروجهما من جذر جغرافي واحد مُهدد من دون أي تمييز بين تضاريسه، إلا أن أحدهما يفترض أنه أرفع مقاماً نضالياً من سواه، وعنده وحده تُختزل تواريخ النهوض، وعنده وحده كانت البدايات وستكون النهايات.
منطقان متنابذان. واحد يؤكد على السلامة الوطنية ومفردة العيش المشترك الواحد الموحد، واعتماد سياق العمران والنهوض الى مصاف الحداثة وتحدياتها، والدخول من باب الحوار وخطاب المصالح الى ديار الغرب لمحاججته بمنطقه وبلغته المؤذية (الى الآخر) لإسرائيل ومصالحها ووجهة نظرها.. وآخر يرى في كل ذلك الطريق شبهة تخاذل واستسلام وتفريط واستلاب وخمود وإذعان، ويعتمد تبعاً لتوصيفاته وأحكامه هذه منحى يقوم على الدربكة الخطابية وتعلية الصوت، وجعل الاستنفار أسلوب عيش محوّلاً لبنان كله الى ما يشبه الثكنة العسكرية التي لا صوت فيها يعلو فوق صوت الدربكة!
.. والحاصل الفاصل، أن عاصمة أهداف ذلك الخط وأساساته ونقاط الارتكاز فيه إنما هي توسل السلطة في الداخل قبل همّ المواجهة مع أعداء الخارج، وهمّ تشقيع أوراق فوق بعضها البعض خدمة لأغراض مشاريع كبيرة ليس النزاع مع إسرائيل إلا عنواناً فرعياً في أصولها الذاتية والأنانية والمصلحية الخاصة.
وأخطر ما في ذلك المنحى هو أن أصحابه يعرفون أذاه ولا يسألون، ويتوسلون خطاً يتراجع الى بطون التاريخ لتبرير مكان ما في حاضر اليوم ولا يتوقفون حتى وإن كان أفق ذلك المكان مُشمّعاً بغبار المذابح الأهلية والطائفية والمذهبية، ومدكوكاً فوق المقابر والجماجم؟
منطقان متنابذان. أحدهما لا يتورع عن اعتبار العدالة فعل خيانة وتبعية لتآمر خارجي، غير منتبه الى أنه بذلك يقلب عاليها سافلها: يفترض أن الظلم فعل نضال تحرري وأن العسف شعار جليل جدير بالاحترام، ما يعني أن الحق مركون في خانة الأعداء فيما الباطل مركون في خانة مدّعي محاربة هؤلاء الأعداء…
وأي عقل ذاك!؟