#adsense

منذ أرنست رينان

حجم الخط

يغرق اللبنانيون في أزماتهم المركّبة الى حدٍّ يصرفهم عن النظر أبعد من أنوفهم. يتعايشون بعضهم مع بعض، من جهة، ومع القلق على غدهم ومنه، من جهة أخرى. وفي انصرافهم الى تدبّر عيشهم المزدوج، لا يتنبّهون الى أن بلدهم هو الوحيد في المنظومة العربية المهدَّد بإعادة الصياغة باستمرار.
يشمل ذلك فسيفساء تمتد من الدولة ككيان سياسي، الى العقد الطائفي، والعقد الاجتماعي، وصولاً الى الديموغرافيا.

قد يردّ قائل بأن "الحال من بعضه" في المنطقة العربية كلّها، لكنّ في ذلك تبسيطاً. فالأزمات في بعض دولها لا تمسّ الأساسيّات، إلا في محاولات انقلابية، كحال البحرين في الأيام القليلة الفائتة، أما في غيرها، فإن الصراعات، اذا تعمّقت، تهدّد بنية النظام لا كيان الدولة.

في لبنان، لا يترك الصراع السياسي، وحتى الخلاف البسيط، أي مسلّمة وطنية أو مرجعية عامة خارج النقاش. لا شيء مقدّسا. فكل الناس والأفكار يمكن أن ترمى في الحملات السياسية الى أسفل درك، وتُداس بالألسن المنفلتة من عقال القيم العامة. حتى المسلّمات، وهي كذلك لأن الجميع توافق عليها، تتحوّل مضغة في أفواه المتشدّقين بادّعاء القيادة.

تسقط المسالك الدستورية والقانونية، أمام الشعبوية الرخيصة. تلغى ادوار الوزراء، وتنسى أوزان الكتل النيابية، وتطلق الحملة على الحكومة، وبالتحديد على جزء منها، من على منبر أقيم في عطلة نهاية أسبوع، أو انشىء اساساً للدعوة الى المحبة.

يفقد المتحدث ذاكرته، وما كان يجمع حوله الناس في مطلع تسعينات القرن الفائت، من دعوات الى أهمية سمو رئاسة الجمهورية، فيتناوط على رئيس جاء بإجماع وطني لم يكن له مثله منذ أولى محاولاته إبان ولادة الطائف الى آخرها إبان ولادة تفاهم الدوحة.

هذه حالة مونولوجيست لا يرى الأخطاء سوى عند الآخرين: وزراؤه هم الأقدر والأبدع، والملتصقون بقضايا الناس. أما الآخرون ففي الفساد غارقون ولا يحسنون أداء مهماتهم، مقصّرون وعاجزون وقصيرو نظر.
الوطن عنده نحن وهم. نحن أهل الفضائل وهم جمع الرذائل. والـ "نحن" قد تتسع وقد تضيق تبعا لزاوية رؤية "القائد".

كذلك مصلحة الوطن: تصح بما يصح له، ويصيبها الضرر الذي يصيبه والعكس ليس صحيحاً. الآخرون عملاء للعدو ولو قاتلوه. أما من عنده فأبطال تحرير ولو دمغت العمالة ادوارهم. فالخطأ ليس خطأهم، بل جريمة من قبض عليهم: اي السلطة من رئيس الجمهورية حتى بواب اصغر إدارة حكومية وأكثرها هامشية.
منطق يلغي القضاء، ومجلس الوزراء، وفيه وزراء القائد وحلفاؤه، ويحاول تهشيم مقام الرئاسة.

موسوليني عمم الفاشية بشعبوية تخطت مسالك الدولة الإيطالية وشلَّتها. لبنان ليس في تماسك ايطاليا 1943، لكن الفاشيات الكامنة في كل طوائفه تعطل بعضها بعضا. واطلالة احداها، وإن تكن لا توصلها الى الهيمنة، فإنها تعطل بناء الدولة وتبني القلق الوطني.

حالة أخرى ليست شعبوية الأداء، بل عبثية، تتفق مع الأولى في إثارة القلق الوطني، بإطلاق الأحكام من موقع قيادة لم يتكرس لها، وبزعم ريادة في الرؤية والاطلاع ينقصها الكثير من الاثبات.

عبثية تسمح لصاحبها بأن يقرّر من يهنىء على جهد، ومن يقرِّع على عمل أو أداء، وتمنحه صلاحية النصح باتخاذ خطوات والامتناع عن غيرها، الى حد "خربطة" البناء الوطني في لحظة غير مؤاتية، كالدعوة الى تغيير اتفاق الطائف من دون سلوك درب مجلس النواب المنتخب وفق الأصول، ومن دون التنبه الى انه وضع بميزان ذهب على قول الأقدمين.

نموذجان لا ينفيان نماذج أخرى لا تقل عنهما فعلاً في زرع القلق المستمر، تتحدث جميعاً بالتناوب، كأن عصا مايسترو تديرها، ليعقب ذلك دعوات الى التهدئة، بحيث تصبح هذه طارئة على الحياة العامة بدل ان تكون قاعدة.

للبحث عن الأسباب، لا داعي للنظر إلى خارج الحدود، ولو كان ذلك مستحسناً وواقعياً. فالعلة تاريخياً داخلية، ربما فطن لها أرنست رينان في رسالته إلى صديقه مارسولان برتولو في 9 تشرين الثاني 1860، وفيها: "إذا أردت ان تشاهد طبيعة جذابة خالية من الشوائب، بحراً خلاباً، سماء زرقاء صافية لا تضاهى، وأجمل جبال العالم، وان تشاهد أسوأ المخلوقات تختلط بها نماذج رائعة، وتلتقي مجتمعا قد وصل إلى أدنى درك بشري هو ما قبل الطبقة الوحشية البدائية، تفضل بزيارة هذا البلد… لبنان".
1860 هي سنة حرب الجبلين.

المصدر:
النهار

خبر عاجل