#adsense

حديث الحريري أثار تحفظات في التوقيت والمضمون

حجم الخط

مع أن طيّ الاتهام السياسي بدأ عملياً مع زيارة دمشق
حديث الحريري أثار تحفظات في التوقيت والمضمون

أثار الحديث الصحافي الذي ادلى به رئيس الحكومة سعد الحريري مطلع هذا الاسبوع ارباكا وبلبلة على مستويات سياسية وديبلوماسية عدة. وقد أخذ هذا الارتباك، والبعض يقول الانزعاج، ابعاداً كبيرة، في ظل تفسيرات وتأويلات لما ورد في الحديث الذي اعتبر البعض انه كان مقصودا بكل التعابير التي وردت فيه، في حين يقول البعض ان التأويل ذهب ابعد من المقصود ولو ان هذا المقصود في ذاته صعب قبوله من حيث المبدأ لاعتبارات كثيرة. ويدرج متابعون سياسيون وقانونيون كثر هذا الحديث الذي تناول فيه ما اعتبره اتهاما سياسيا لسوريا في اطار سعيه الى ترتيب الامور مع دمشق واقفال ملف الصراع بين البلدين. وقد اعطى إدلاؤه بهذا الحديث الى صحيفة سعودية بعداً يتصل بهذا الامر في ضوء العلاقات السورية السعودية الجديدة. الا ان هناك تحفظات كثيرة سجلها هؤلاء على مقاربة الحريري لهذا الموضوع كما على مقاربته ما يسمى "شهود الزور"، بدليل الأبعاد والتفسيرات التي أُعطيت لتناوله هاتين النقطتين. وهذه التحفظات تتناول التوقيت كما المضمون.

ففي موضوع الخطأ في الاتهام السياسي لسوريا هناك من اعتبر ان الحريري وضع وراءه هذا الاتهام منذ أن قرر زيارة سوريا، ولا يفترض أن يكون ثمة جديد في الموقف المعلن في هذا الاطار. الا ان الكلام على الخطأ، والذي انتقل فيه حلفاء سوريا الى مرحلة جديدة في اتجاه مطالبة الحريري باعتذار منها يعني، او يفترض انه يعني، المغالاة التي رافقت التعبير عن مرحلة وليس الاعتذار عن الانتفاضة التي حصلت، اذ ان الاتهام السياسي لم يكن اتهاماً عشوائياً، او حتى مبنيا على ما يسميه البعض شهود زور بل كان مبنيا على ظروف ومعطيات كانت قائمة لفترة طويلة من الزمن، وربما لثلاثين سنة من الاحتقان في شأن الوجود السوري. والظروف التي ادت الى توجيه اصابع الاتهام الى سوريا في ذلك الوقت كانت ايضا نتيجة الاوضاع التي سبقت اغتيال الرئيس رفيق الحريري وما تعرض له شخصيا من اهانة مع الشعب والنواب اللبنانيين قبيل التمديد قسراً للرئيس السابق اميل لحود. فما حصل لم يكن افتراء على علاقة كانت في الأصل طيبة مع سوريا بل انعكاساً لمرحلة كانت شديدة التوتر تدير سوريا فيها الوضع اللبناني وحفلت بالكثير من التجاوزات والاخطاء، وردّ الفعل الفوري بعد الاغتيال بني على ذلك. فالخطأ قد يكون حصل في التمادي في الكلام والاتهام او في بعض الشعارات. ويعتقد البعض ان ما فُهم من كلام الحريري، حتى لو قصد المعنى الاخير، هو انه يعتذر عن الانتفاضة وعن التغيير الذي ادى الى خروج القوات السورية من لبنان وعن كل المسار الذي بدأ في 2005، علما انه لا يزال يقول في كل مواقفه انه يتمسك بلبنان أولاً وبما تحقق من تحسن في العلاقة من دولة الى دولة بين لبنان وسوريا.

ويذهب بعض آخر الى القول ان اغلاق الملف مع سوريا لا يفترض ان يعطي الحريري الحق بامتلاك حق البراءة او الادانة، اذ ان الاصول تعني انه لا يعرف لا بالادانة ولا بالبراءة، ومن السابق لاوانه القول بأي من الاحتمالين قبل اشهر افتراضيا على صدور القرار الظني، فمثل هذا الموقف يمكن ان يصدر بعد القرار الظني في الوقت المناسب وفي الشكل والحجم المناسبين.

في موضوع ما يسمى "شهود الزور"، فان ثمة تحفظات اكثر عما قاله الحريري في هذا الشأن نتيجة مغالطات قانونية وسياسية، اذ ان التسمية خاطئة في الاساس، لان لا وجود لشهود زور ما لم يدلوا بشهادتهم فعلا امام المحكمة وكانت شهادتهم خاطئة. اضافة الى ان مجلس الوزراء كلّف وزير العدل ابرهيم نجار ليس في البحث في مضمون هذه القضية بل في الشكل، لان وزارة العدل لا يمكن ان تدخل في الموضوع في انتظار احد امرين: إما القرار الظني الذي يقول بأن المحكمة لم تأخذ بشهادات هؤلاء، او انها كانت شهادات خاطئة، او مستند رسمي خطي موقع من المدعي العام للمحكمة ومن رئيس المحكمة يقول بذلك. وعندئذ فقط يمكن القضاء اللبناني ان يضع يده على الموضوع والتصرف، علماً ان اي شهادة تكون بلا قيمة او شهادة زور اذا تبين لهذا القضاء ان الضباط الاربعة قد اوقفوا بناء على شهادة هؤلاء الذين يسمون شهود زور وليس بناء على اي ادلة او وثائق اخرى. وتقول مصادر قريبة من الرئيس الحريري انه يعتبر شخصياً انه كان هناك تضليل وتشويش على التحقيق ولاحقا على المحكمة منذ الساعات الاولى التي تلت عملية الاغتيال. وكثر كانوا على خط هذا التضليل لجهة الضغط لاخذ التحقيق في اتجاهات مختلفة وغير صحيحة ولاهداف صغيرة او كبيرة. وهو يدرك انه اذا كان لبنان يملك او يعرف مقدار واحد في المئة مما جرى في هذا الاطار فإن لجنة التحقيق تعرف 99 في المئة من محاولات التضليل. وتاليا هناك الكثير من الصحة في الكلام على محاولات التضليل لكن الاطار الذي اتى فيه كلامه بدا متبنيا لما يمكن ان يساهم في تحويل مسار التحقيق لكي يدخل هذا الاخير في متاهات جديدة حتى اذا لم تأخذ المحكمة بهذا الموقف تكون قد سقطت في الامتحان وقد مست صدقيتها.

وهناك من يعتبر ان موقف الحريري من "شهود الزور" قد يكون جزءاً من شروط اللقاء الذي يفترض ان يحصل بينه وبين الامين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله كما كان الموقف من سوريا جزءا من ترتيب العلاقات معها. لكن في الامر الاول تفسيراً لمراجعة ايديولوجية لمرحلة ولانتفاضة عنت استعادة استقلال البلد وسيادته، وفي الامر الثاني اعطاء ورقة مسبقاً لا بل اعطاء آخر ورقة حتى قبل انعقاد اللقاء الاول بينه وبين السيد نصرالله. وفي وقت يعتقد البعض ان مواقف اخرى قد توضح ما ذهب اليه تحديدا وتزيل الالتباسات، يرى كثر وجوب ان يوضح الحريري مغزى كلامه، في حين يعتقد كثر آخرون ان استباق الامور قبل القرار الظني ليس في مصلحة المحكمة.

المصدر:
النهار

خبر عاجل