شاهد الزور أمام التحقيق الدولي هو تعريفاً من يتسلّل لـ"نسف الملف"
الحريري يحمي بالسياسة ما حماه بيلمار بالمطالعة القانونية التقنية
يفترض بحديث كل من مدّعي المحكمة الخاصة بلبنان دانيال بيلمار إلى موقع "ناو ليبانون" ثم حديث رئيس مجلس الوزراء سعد الحريري إلى "الشرق الأوسط" أن يوفّرا الأرضية لتهدئة حقيقية من شأنها إراحة عمل المحكمة الدولية والوضع الداخليّ اللبنانيّ في آن، بما يتيح صدور القرار الظنيّ للمحكمة من جهة، وبما يحرّر السياسة اللبنانيّة من الترقّب المتوتّر لتوقيت هذا القرار.
وهذا يعني بالدرجة الأولى أنّه على "الحركة الإستقلاليّة والإستقراريّة اللبنانية"، الممثلة أساساً بـ"قوى 14 آذار" ألا تتردّد في الإرتكاز إلى حديثي بيلمار والحريري مع التمييز بين الإطار القانونيّ القضائيّ الدوليّ للأوّل والإطار المؤسساتيّ السياسيّ الوطنيّ للثاني، ومع التذكير بأنّ السحب السياسيّ للإتهام السياسيّ الموجّه إلى سوريا هو نتيجة طبيعية لقيام المحكمة الدوليّة وتطوّر عملها أوّلاً، ولإرساء العلاقات الديبلوماسيّة بين لبنان وسوريا ثانيّاً، زد على أنّ الإتهام السياسيّ لم يوجّه يوماً بطريقة مباشرة إلى سوريا، وما الإتهام السياسيّ إلا منحى نصف شعبيّ نصف إعلاميّ، ونصف تحليليّ نصف تكهّني، اختلط إلى حدّ بعيد بموقف شعبي وطنيّ رافض لاستمرار "النظام الأمنيّ التمديديّ"، والمتطلّع إلى تطبيق إتفاق الطائف، وصناعة الإستقلال الثاني اللبنانيّ على أساس الطائف والقانون الدوليّ، وعلى قاعدة سيادة الدولة اللبنانية على أراضيها، وبالإرتكاز إلى مبدأ العلاقات الديبلوماسيّة التي رفعته الحركة الإستقلاليّة شعاراً في أحلك الظروف.
ومبادرة الرئيس الحريري إلى سحب هذا الإتهام يريح الحركة الإستقلاليّة إلى حد كبير، كونه يسحب إتهاماً سياسيّاً لم تتبناه هذه الحركة يوماً بشكل رسميّ، بل كان اتهاماً يتعارض، لو تبنّته بشكل رسميّ، مع نضالها من أجل قيام المحكمة الدوليّة. هذا مع التأكيد دائماً على مقولة أنّ القضائيّ "ينسخ" (أو يلغي) ما هو سياسيّ، ولا ينسخ السياسيّ ما هو قضائيّ.
لكن الأهمّ من كل ذلك أنّ مبادرة الحريريّ السياسية معطوفة على مطالعة بيلمار القانونية تعيدان التأكيد على ما يجري تغييبه من قبل الفريق المناهض للمحكمة في لبنان: وهو أنّ اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري جريمة، وأنّ الاغتيالات الأخرى جرائم متسلسلة ومرتبطة مع الجريمة الكبرى. فتحت عنوان الحملة لكشف ومعاقبة "شهود الزور" قام الفريق المناهض للمحكمة بتمييع هذا الأمر، وصار هذا الفريق يطالب بالشيء ونقيضه: يطالب بالكشف عن شهود الزور الذين ضلّلوا التحقيق الدوليّ بحسبه، ومحاكمتهم، كما يطالب بفضّ التحقيق الدوليّ من أساسه، والمحكمة الدوليّة من أساسها، وفي هذا عجب عجاب، كما لو أنّ قضية "شهود الزور" هي الأساسية، وقضية الإغتيالات هي ثانويّة.
ما يهدف منه كل من كلام بيلمار القضائي من موقعه كمدع عام ومحقق دوليّ، وكلام الحريريّ السياسيّ من موقعه كرجل دولة هو العودة إلى جادة المنطق: القضية الأساسية هي الإغتيالات. التحقيق الدوليّ ثم المحكمة الدوليّة وسيلتان لكشف الحقيقة وإحقاق العدالة. شهود الزّور هم تعريفاً أولئك الذين عملوا على تضليل التحقيق بحيث يؤدي تراجعهم عن إفاداتهم في مرحلة لاحقة إلى الترويج لنظرية تهافت هذا التحقيق ونسفه. إذاً فإنّ الإقرار السياسيّ بوجود شهود زور لا يتعارض مع التأكيد القضائيّ على الآلية القضائية لتمييز شاهد الزّور عن شاهد الحقّ. ذلك أنّ الهدف في الحالتين هو تبيان الحقيقة وإحقاق العدالة، في حين أنّ الإنحراف عن هذا الهدف يؤدّي إلى تمكين شهود الزّور مما أرادوه في الأصل: التسلّل إلى مناخ التحقيق الدوليّ والمحكمة الدوليّة بقصد نسف الملف من أساسه.
إنّ شاهد الزور أمام تحقيق دوليّ هو تعريفاً من يتسلّل بغية "نسف الملف". إذاً المفترض وطنياً أن يكون هناك إجماع على الإستمرار في الملف، إذا ما أريد قطع الطريق أمام التآمر المفترض من "شهود الزّور"، والإستمرار في الملف له عنوان كبير هو المحكمة الدولية.
من هنا فإنّ "الديفرسوار" الذي تحدّث عنه الرئيس نبيه برّي هو "ديفرسوار" في الإتجاهين: من جهة 14 آذار والحريري يجري التخفّف من ثقل إتهام سياسيّ لم يعبّر عن نفسه يوماً بشكل رسميّ ومباشر، ثم يجري الإنفتاح على ما تثيره 8 آذار حول "شهود الزّور"، لكن من هذا الجانب بالتحديد، أي لجهة ما ألحقه هؤلاء من ضرر في العلاقات اللبنانية السورية وما حاولوا أن يلحقوا من ضرر بالتحقيق الدوليّ وفشلوا. وهذا يترك للقضاء الدوليّ ممارسة عمله في هذا المجال، بل هو المرجعية للنظر في هذا الأمر.
وفي المقابل يفترض من القوى الأخرى التخفّيف من اتهاماتها السياسيّة الخطابيّة للمحكمة الدولية، ويفترض بها تصويب المسألة الأساسية: وهي أنّ الإغتيالات هي الجريمة المتسلسلة الرهيبة التي ينبغي كشفها، وما الكشف عمّن ضلّل التحقيق إلا وسيلة ملحقة بكشف من حرّض ومن أمرَ ومن حاكَ ومن دبّر.