ما كشفته بالأمس جريدة "النهار" وأماطت فيه اللثام عن أكبر صفقة تمّ فيها شراء أراضي مسيحيي جنوب لبنان ويجري استكمالها على قدم وساق في دول المهجر حيث أشارت المعلومات التي نقلتها الصحيفة إلى أن "العملية الأخيرة شملت بيع آلاف الدونمات من الأراضي الواقعة غرب حدود الأبنية السكنية في بلدتي مرجعيون والبويضة ومستشفى مرجعيون، وصولاً إلى مجرى نهر الليطاني غرباً، والتي يطلق عليها اسم الجرين"… هكذا وجد اللبنانيون عموماً والمسيحيّون خصوصاً أنفسهم بالأمس أمام أخطر عمليّة تغيير ديموغرافي لوجه الجنوب اللبناني، لتحويله إلى منطقة اللون الواحد، وهذه العملية التي قيل أن قيمتها بلغت مليونا و150 ألف دولار، ليست عمليّة فرديّة ولا تجاريّة بل هي عملية تهجير بـ "التي هي أحسن" لما تبقّى لمسيحيي الجنوب ، ولا نظنّ أن الأمر سيتوقف عند هجرة جماعية للمسيحيين بل سيمتد لاحقاً إلى أقليّة السُنّة الموجودة في الجنوب ترهيباً أو تهجيراً!!
نحن أمام عمليّة ضخمة تموّلها دولة تستتر خلف سماسرة ورأس ناظم لهذه العمليات، نحن أمام عمليّة لتغيير وجه لبنان الحقيقي، أو ربما أمام التحضير لمشروع تحويل الدويلة التي ترهق لبنان وتمنع قيام دولته إلى دولة معلنة، بل نحن بوضوح أمام عمليّة تغيير هوية لبنان كوطن عيش مشترك بين الأديان والطوائف، إلى "دولة تمهيد لظهور المهدي"، أليس ملفتاً أن تجري كل عمليات البيع هذه في وقت يشغل فيه ميشال عون المشهد اللبناني بأكبر خدعة مهاترة لتحويل أنظار المسيحيين والدولة اللبنانية وشغلها عما يجري في المناطق المسيحيّة الجنوبيّة؟!
أليس غريباً أن الذي تمّ منحه وكالة شرعيّة من مرشد الجمهورية الإيرانيّة لتمثيل مسيحيي الشرق منشغل هذه الأيام بالتنكيد على اللبنانيين وإلهائهم بالتهجم على رئيس الجمهورية ووزراء في الحكومة وادّعائه عدم إجابتهم على أسئلته في أكبر هرطقة دستوريّة، فمكان الأسئلة والأجوبة هو تحت قبّة البرلمان لا عبر شاشات التلفزة؟!
وأي مناورة هذه التي يقودها ميشال عون للتعمية عما يستهدف المسيحيّين جنوباً، إذ تكشفّ "فجوره" المستجد بالأمس عن النقطة المركزيّة لهجومه والأمر ليس بجديد عليه، فهو وحليفه "حزب الله" يتناوبان تصريحاً وتلميحاً في شنّ الحملات على مديريّة قوى الأمن الداخلي ومديرها، وعلى فرع المعلومات ومديره؟!
مناورة ميشال عون ليست بريئة من أمرين، الأمر الأوّل؛ هو شغل الرأي العام المسيحي عن عمليات إخراج المسيحيين من أرض الجنوب اللبناني وهذا هو الدور الحقيقي لميشال عون في هذه المرحلة من تاريخ المسيحيين في لبنان بعدما نجح في تنفيذ أكبر عمليّة تهجير لهم في عامي 1989 و1990 أما الأمر الثاني: فهو الخوف الشديد الذي ينتاب ميشال عون عمّا يمكن أن يكون قد أدلى به منسق التيار العوني في الشمال فايز كرم وهو أبعد وأخطر ربما من اعترافه بتعامله و"منذ زمن بعيد" مع العدو الإسرائيلي!! فهل هناك ما يخيف ميشال عون من توصّل التحقيق إلى اعترافات تشمل – على سبيل المثال – فترة "سرقته" البلاد بنصف حكومة إلى الدمار وهي فترة وقع فيها في عامين فقط اغتيالين طالا شخصيتين بارزتين واحدة هي الرأس الروحي للطائفة السُنيّة، والثانية هي الرأس الزمني للطائفة المارونية وللبنان!! من دون أدنى شكّ،"فوران" ميشال عون سببه خوف كبير، لكن ممّا هو خائف، فهذا ما ستكشفه الأيام المقبلة..
وإلى جانب الخائف الأول ميشال عون، هناك خائف ثانٍ في لبنان هو حزب الله الذي "يطنّش" عن حملة ميشال عون "المسعورة" على رئيس البلاد بل ويبررها والحكومة والوزراء وعلى جهاز قوى الأمن الداخلي وفرع المعلومات فيها بعدما نجح في فكفكة معظم شبكات التجسس لحساب العدو ونجح في إخراس الذين عزفوا ليل نهار على وتر "عميل ألفا" في الأشهر الماضية!!
من يغطي عملية بيع أراضي المسيحيين في الجنوب؟ أليس هذا البيع مخالفاً لطبيعة لبنان وتنوعّه ، أليس من واجب الدولة اللبنانية ومسؤوليها بدلاً من يُلهي ميشال عون ونعمة الله أبي نصر بالحديث عن تملّك الأجانب في لبنان، أن يطالبوا بمنع بيع الأراضي بما يغيّر ديموغرافيّة وهوية التعدد في المناطق اللبنانيّة بحيث لا يُفضي هذا البيع إلى تكوين "كانتونات" طائفيّة ومذهبيّة من لون واحد؟!
في هذه المرحلة ينفّذ ميشال عون أخطر مهمّاته وهو الدور الإيراني المطلوب منه أن يلعبه في هذه المرحلة التي تنتظم فيها ملامح خطرة جداً للإعداد لدولة ولاية الفقيه بدءاً من جنوب لبنان بعد إفراغه في مسيحييه، وفي لحظة يدرك فيها جميع المسؤولين أنّ حزب الله يُنفّذ انقلاباً حقيقياً ما زال حتى الساعة "نصف سياسي – عسكري" متخذا من القرار الظني للمحكمة الدوليّة ذريعة مؤقتة، في انتظار أن تحين اللحظة المناسبة ليتحوّل إلى "انقلاب عسكري" مكتمل التنفيذ يجري بعده الكشف عن وجه لبنان الجديد في المنطقة؟!
أما ما نودّ أن نختم به ، فهو استغرابنا الشديد لتصريح وزير الداخلية بالأمس زياد بارود، الذي "انهزّ" بدنه وردّ على التهم التي ساقها عون بحقّه ليدافع عن نفسه، فيما استكثر على جهاز أمني منوط به جزء كبير من أمن البلاد أن يدافع عن نفسه لأن الوزير الذي يفترض أن يتصدّى لهذه المهمّة لاذ بالصمت.. لقد "حيّرنا" الوزير زياد بارود عندما يتعلق الأمر بأمن الناس وأرواحهم وتعرّضهم للخطف في وضح النهار، يخبرنا أن الأمن سياسي!! وعندما يتعلّق الأمر بقوى الأمن الداخلي وفرع المعلومات يلوذ بالصمت، الأمر الذي يدفعنا للتساؤل: هل سيلتزم نفس الصمت معاليه لو كان الأمر يتعلّق بجهاز أمني آخر… المدهش أن "معاليه" يظنّ أن من واجبه عقد مؤتمر صحافي بسبب حادث سير مفجع، ويلوذ بالصمت وأخذ الإجراءات عندما يُشنّ هجوم خطير على مؤسسة منوط بها أمن البلاد والعباد، الأمر الذي يدفعنا للتساؤل: هل التبس على معاليه أنه وزير للداخلية لا وزير لشؤون ازدحام وحوادث السير…