محاولة رفع قضية شهود الزور إلى مستوى الاغتيال
هل تواجه الحكومة مأزقاً في بتّ الملف ؟
ليس المهم ماذا يقول هذا الحزب او ذاك ولا هذا المسؤول او ذاك او هذا السياسي او ذاك في لبنان انما ماذا تقول سوريا التي استطاعت بحنكتها وديبلوماسيتها الذكية وبالظروف المتغيرة ان تعود بنفوذها ليس الى لبنان فحسب بل الى المنطقة وان تفك الحصار المضروب عليها لسنوات بالصبر والتريث، فأعادت فتح الابواب والنوافذ على اكثر من جهة واستعادت دورها عربيا واقليميا ودوليا وبات هذا الدور حاجة وضرورة لحل كثير من المشكلات.
لذلك، فان سوريا هي الآن في موقع المراقبة والترقب والانتظار، فلا موقف لها رسميا ومعلنا من المفاوضات المباشرة الفلسطينية – الاسرائيلية وان يكن مسؤولون فيها يجاهرون في مجالسهم الخاصة بمعارضة هذه المفاوضات والسماح لزعيم حركة "حماس" خالد مشعل المقيم على ارضها بشن حملة قاسية على رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس وعلى مفاوضات يرى انها عبثية ولا جدوى منها وعدم التزام نتائجها ايا تكن، حتى اذا ما كانت كذلك، فان سوريا تعلن عندئذ موقفا رسميا منها وتحمّل السلطة الفلسطينية التي عادت الى طاولة المفاوضات المسؤولية لانها لم تحصل على ضمانات لنجاحها. اما اذا سجلت المفاوضات الاسرائيلية – الفلسطينية تقدما ملموسا واستطاعت ان تتجاوز عقدة المستوطنات، فان سوريا تراجع موقفها وتعيد تقويم المستجدات وتنتظر ما سوف يعقب ذلك بالنسبة الى مسارها، وهل سيتحرك مع حصول هذا التقدم فتستعيد هضبة الجولان ويتحرك مع هذا المسار، المسار اللبناني بحيث تنسحب اسرائيل من باقي الاراضي اللبنانية التي تحتلها فيكون ذلك بداية تحقيق سلام شامل في المنطقة تنتهي مع تحقيقه وظيفة سلاح المقاومة في لبنان وفلسطين وفي اي مكان آخر ويصبح حصرا في يد الدولة.
اما اذا تأخر تحقيق هذا السلام او لم تسفر المفاوضات الاسرائيلية – الفلسطينية عن نتيجة او توقفت لسبب من الاسباب، فسيكون لسوريا ولغيرها من الدول في المنطقة ولاسيما دول الممانعة موقف قد تعود معه اعمال العنف التي يكون لها تداعيات في المنطقة وخارجها.
ولا موقف لسوريا رسميا ومعلنا ايضا من حديث الرئيس سعد الحريري الى "الشرق الاوسط" ومن ردود فعل عليه في الاوساط السياسية اللبنانية على اختلاف اتجاهاتها ومشاربها ومذاهبها قبل ان يعلن مجلس الوزراء اللبناني موقفا من قضية "شهود الزور" في ضوء الدراسة القانونية التي سيتقدم بها وزير العدل ابرهيم نجار وما سيليها خصوصا لجهة حق القضاء اللبناني في ملاحقة هؤلاء وقبل ان تعطي المحكمة الدولية الخاصة بلبنان جوابها على طلب اللواء جميل السيد الحصول على افادات "شهود الزور" كي يبنى على الشيء مقتضاه، وهل تربط اعطاء هذا الجواب بصدور القرار الاتهامي في جريمة اغتيال الرئيس الحريري ورفاقه وهو القرار الذي تعتبره سوريا اهمية خاصة قبل تحديد موقفها من امور كثيرة في لبنان والمنطقة، فاما يكون موقفا ايجابيا يبشر باستقرار دائم وثابت، واما يكون موقفا سلبيا يهز هذا الاستقرار.
ويقول من لهم خبرة في التعاطي مع سوريا انها "تشتري بالجملة وتبيع بالمفرق" ولا تسلم البضاعة قبل ان تقبض ثمنها في حين انها غالبا ما تتسلم البضاعة ولا تدفع ثمنها الا عند التيسير، او بالتقسيط… ومن يسمع رأي سياسيين لبنانيين حلفاء لها في حديث الرئيس الحريري الى "الشرق الاوسط"، يرى انهم لا يجدون فيه سوى عودة متأخرة عن الخطأ… وانه سلام سياسي يقال بعد الاتهام السياسي، وهو يحتاج الى ترجمة وافعال تبدأ بقرار يصدر عن مجلس الوزراء يقضي بالطلب الى القضاء اللبناني ملاحقة ليس "شهود الزور" فحسب بل من هم وراءهم لان من حق المتضررين مقاضاتهم وكشفهم وهذا ما يصر عليه اللواء جميل السيد و"حزب الله" وعندها تصبح هذه القضية بأهمية جريمة اغتيال الرئيس الحريري ورفاقه وفي مستواها، فاما يتم السير بهما معا واما الدخول في تسوية على اساس "مضى ما مضى" كما انتهت جرائم كثيرة وحروبا في الماضي…
وقضية شهود الزور قد تكون القضية المهمة التي قد يسبق طرحها جواب المحكمة الدولية الخاصة بلبنان في شأنها او يصير اتفاق على انتظار صدور القرار الاتهامي للكشف عن افادات شهود الزور الا ان موقف سوريا يبقى هو المرجح وذلك من خلال الوزراء الذين يمثلون قوى 8 آذار، وهذا الموقف هو الذي يحدد خيارات سوريا في لبنان وربما في المنطقة، ويحكم سلبا او ايجابا على تحالف او معادلة (س.س.) ومدى جديتها وفاعليتها، لا بل يكون هو الجواب الرسمي السوري على حديث الرئيس الحريري الى "الشرق الاوسط".
والسؤال الذي يطرح منذ الآن: ما هو الموقف السوري الحقيقي من قضية شهود الزور اذا جاءت دراسة وزير العدل ابرهيم نجار على غير ما يشتهي البعض وبات وضع الحكومة في خطر؟ وماذا لو جاء جواب المحكمة الدولية في الموضوع مؤيدا او معارضا رأي الوزير نجار؟ هل يكون الحل الوسط هو انتظار صدور القرار الاتهامي كي يصبح في الامكان الكشف عن افادات شهود الزور ومحاولة معرفة من هم وراءهم، لان سوريا تعلق اهمية على صدور القرار كي ترسم في ضوئه خط سيرها السياسي سواء في هذا الاتجاه او ذاك، ليس في لبنان فحسب بل في موضوع البرنامج النووي الايراني والوضع في العراق وكذلك حيال مفاوضات السلام مع اسرائيل؟ فهل يبقى الوضع في لبنان مستقرا ولو في حده الادنى الى حين صدور القرار الاتهامي كي تتخذ الحكومة موقفا منه وقبل ان تباشر المحكمة عقد جلساتها تمهيدا لاصدار احكامها؟