الأكيد ان ميشال عون ليس عنتر زمانه، والأكيد ان جميل السيد ليس من يظن نفسه أنه قاتل التنين. لكن تصرفهما يدعو الى التساؤل "أين الدولة بمؤسساتها وسلطاتها وقضائها وأركانها من كل ما يثار إعلامياً وسياسياً على ألسنة عون والسيد وحلفائهما؟!".
الواضح أزاء ما تقدم ان أمور البلد لم تعد ممسوكة لا في الدستور ولا في القوانين ولا في النظام، لاسيما ان كلام رئيس الجمهورية الدفاعي لم يعد يتجاوز العبارات الشخصية التي يمليها الحديث في العموميات، وما أسهل للرئيس ان يدعو الى وقف السجالات والاحتكام الى القانون على رغم معرفته مسبقاً ان كلام عون وكلام السيد قد خرج على الأصول وعلى المألوف وعلى الانتظام، أي ان الاثنين قد تحولا الى محرضين على الدولة بأركانها ومؤسساتها وقوانينها، فيما لم يسمع أحد ان القضاء قد تحرك ولو في مجال الدفاع عن النفس بحسب ما يفترض به ان يفعل!
عندما يقال ان القضاء وحده يخيف الرؤساء والسياسيين والعسكريين، كان هذا القول يأتي في زمن اعتبار القاضي فوق الوظيفة والراتب والمركز الاداري – الرسمي. أما الآن، فإن القاضي وهو يستمع الى من ينتقده شخصياً في موقعه وفي مسؤولياته وفي تصرفه، لم يعد قادراً على الرد "كي لا تستكمل عناصر خنقه بواسطة المزيد من عوامل الاتهام والانتقاد في آن". وإلا ما معنى الصمت المطبق من جانب مدّعي عام التمييز القاضي سعيد ميرزا القادر على ان يلقم المتهجمين عليه وعلى السلطة حجراً وراء حجر، بما يكفل وضع الأمور في نصابها، وبالتالي إعادة الاعتبار الذاتي للموقع القضائي الأبرز في لبنان؟!
والخشية كل الخشية مما يقال ويذاع ويشاع عن رهبة المسؤولين من مواجهة عون والسيد ومن لف لفهما من الاحتكام الى القضاء، خوفاً من انقلاب عوامل الدفاع عنهم وتحولها الى عوامل اتهام كي لا نقول أبعد وأمر من ذلك (…).
والخشية كل الخشية من تأكيد حصول انقلاب على الدولة عبر انصراف السلطة عن الدفاع عن نفسها. وهذا دليل ضعف منقطع النظير. كما أنه دليل سقوط السلطة في تجربة ممارسة دورها، أقله ان من لا يدافع عن نفسه لن يكون قادراً على الدفاع عن الأرض والشعب والدولة، وهذا من أسوأ ما يمكن تصوره في الوقت الراهن، خصوصاً ان هناك من يدعو علناً الى الخروج على النظام والانقلاب على الدولة، فضلاً عن ظهور دعوات الى ان يأخذ كل إنسان حقه بيده!
والذين من رأي عون والسيد، لا بد وأن يعجبهم كلامهما حتى وإن كان المقصود في النهاية تدمير الدولة عبر عمل سياسي مبرمج القصد منه في نهاية المطاف لعب ورقة تغيير النظام والإطاحة بالدولة ومؤسساتها تحقيقاً لمشاريع معدة سلفاً تكفل العودة الى التدخل "لإعادة الانضباط العام ولحماية الشعب من الخوارج"، بعدما سبق للبعض الاعتماد على مثل هكذا مخارج!
وما يصح التذكير به في هذا السياق، هو ان من انتقد الزعيم الدرزي وليد جنبلاط على تغيير جلده السياسي والوطني، قد أعاد خطوته الى القراءة الجيدة للتطورات، فيما تبين ان انقلاب جنبلاط الذاتي عائد الى عدم فهم الحلفاء والخصوم حقيقة المجريات الإقليمية والدولية، وقد أثبتت الأحداث ان جنبلاط كان على حق عندما اختار كيفية المحافظة على رأسه وعلى موقعه وعلى جماعته عبر محاسبة دقيقة لكل ما مر به لبنان من أحداث ومن عمليات سياسية لا دلالات فيها سوى البحث عن المصالح الذاتية (…).
وبالنسبة الى جديد ميشال عون فإن اتهامه بالتحريض على الدولة ومؤسساتها لا يضيره بشيء، طالما ان الدولة في إجازة قسرية. وطالما ان مؤسساتها لا تريد ان تقوم بالمطلوب منها، مع العلم ان الانسياق وراء الأسوأ غير مستبعد حيث هناك كثافة ارتكابات وذنوب يستحيل تجاهل أذاها الشخصي والعام، قياساً على ما يقال عن تصرفات لا مجال للدفاع عنها؟!
من هنا لا يبدو ميشال عون عنتر زمانه، لكن خصومه عندما يتقاعسون عن تلقيمه حجراً يأتي تصرفهم بمثابة الاعتراف لعون ولغيره بأن الدولة في وضع لا يسمح لأحد بأن يدافع عنها؟؟