لم يعد ثمة من داع للسجال العقيم لتحديد الطرف الساعي إلى التهدئة والطرف الذي يسعى إلى التوتير. اللواء جميل السيد اوقع المتساجلين بالضربة القاضية. ضرب التهدئة كفاً، في العتمة وفي الضوء مرة واحدة.
الآن على الجهة الأخرى ان ترد. إنما كيف يسعها ان تفعل؟. في هذه الجهة، ثمة على الأقل ثلاثة اشخاص كادت انفجارات ان تودي بحيواتهم (مروان حمادة، الياس المر، ومي شدياق). مع ذلك يطالب اللواء جميل السيد، ويقره الوزير عبد الرحيم مراد على مطالبه، بإعدام هؤلاء. أصلاً لماذا نجوا مما أعد لهم؟
يقول مروان حماده يرضى القتيل ولا يرضى القاتل، متعجباً. يجدر به أن لا يتعجب أبداً. هؤلاء الخصوم الذين يدعون لإعدامه اليوم كانوا ذات يوم، وما زالوا على الأرجح قضاة وجلادين وقادة في الوقت نفسه. ومن يقع في مثل مواقعهم في السلم السياسي لا يحتاج إذناً بالقتل، "لا يضرب كفاً في العتمة" لأنه ينفذ حكماً قضائياً ممهور الأختام سلفاً. من قال ان القضاة في لبنان هم قضاة، ومن قال ان السلطة القضائية هي سلطة فعلية؟ ثمة سلطة فوق السلطات جميعاً، وهي التي تحكم وتنفذ وتعفو وتتهم.
ثم لماذا يظن أهل الشهداء من قوى "14 آذار" ان دماءهم توجب على اللبنانيين التوقف عندها. ألم يقل السيد انه من الأفضل لرئيس الحكومة اللبنانية ان يقرر: لقد مات أبي ولنصلّ لراحة نفسه. الآخرون يضيفون: طيب وهل نخرّب البلد من اجل رجل واحد؟ فلنقفل البحث في الموضوع.
رداً على مثل هذه الخطاب الفاجر، ليس ثمة مكان للمنطق. اصحاب هذا الخطاب يأخذون حقهم بأيديهم. أساساً لم يحدث مرة أن اعتقدوا او قبلوا بأن يحكم أحد عليهم. محكمة دولية؟ خبر خير. ثم ماذا، منذ متى كانت العدالة الدولية عادلة؟ قضاء لبناني؟ لدينا إجابة شافية: القضاة خونة ومتعاملون ومرتشون. لا تكلفوا انفسكم البحث عن جهات تحكيمية.
يقول الوزير السابق عبد الرحيم مراد ما معناه: كل من يعارض المقاومة بصرف النظر عن هوية المقاومة هو خائن ومشبوه. الوصفة جاهزة: انحازوا إلى المقاومة، وارتضوا ان تقودكم انتم والبلد كله إلى حيث تريد. وإلا ستوصمون بالعمالة والخيانة وستنفذ فيكم الأحكام. بل إذا اردتم التوبة فعليكم ايضاً الانتظار: لربما يفتح باب قبول التوبة في حارة حريك امامكم في يوم من الأيام؟ في الانتظار عليكم ان تجتهدوا من عندياتكم في إعلان مواقف قد تجعل صاحب الباب العالي يلين.
الذين يحبون التحليل وقراءة ما بين السطور أُسقط في يدهم هذه المرة. ليس ثمة مجال لأي تأويل. إذا كان السيد اللواء ينطق بما نطق به عن هوى فردي وشخصي، فهذا أشبه برسالة انتحار. ذلك أنه لم يدع سلطة لبنانية رسمية إلا واطلق عليها ناره. وإذا لم يكن ينطق عن هوى فردي وشخصي فهذا حكم مبرم، ولم يعد ثمة مجال للاستئناف. المتهمون بموجب هذا الحكم امام خيارين لا ثالث لهما: إما الهرب قبل الشروع في تنفيذ الأحكام، وإما الرضوخ والإذعان.
بين الخيارين ثمة دموع ودماء كثيرة سالت في البلد، وينبغي على المعنيين بها المسارعة إلى مسح الدم، وتجنب البكاء، لأن البكاء في البلد منذ زمن بعيد بات جريمة تودي بصاحبها إلى القتل.