المواجهات ومنسوب الشروط؟!!
لا يختلف اثنان في ضوء ما حصل على الارض، على ان الحوار الجاري البحث في مضامينه لم يعد يجدي نفعا، الى درجة باتت الامور مرهونة بمفاجآت عسكرية، امنية اكثر من ان ترتبط بأي حل سياسي مهما اختلفت نوعية القائمين به، خصوصا ان من بيدهم الحل والربط اصبحوا بحاجة ماسة الى من يحل ومن يربط عنهم!
وطالما ان الامور خرجت على السيطرة، فإن الاستمرار في الاخذ والرد قد تحول الى نتاج دموي يستحيل اعتماده طويلا، لا سيما ان التعهدات وحدها باتت مقتصرة على شعارات، بدليل ان كل ما كانت الاكثرية ترفض الخوض فيه، ظهرت وكأنها باتت تقبل بكل ما يعرض عليها الى حد «استجداء العرض»، بعكس ما كانت عليه قوى 8 اذار، حيث رفعت منسوب شروطها ومطالبها حتى ولو اقتضى الامر مزيدا من المواجهات الدامية!
كذلك، يستحيل عدم تقبل الواقع القائل ان حزب الله فرض سيطرة عسكرية قياسية، مقابل استعداده لمتابعة عملياته في حال لم تؤخذ شروطه بجدية متناهية. وهذا من واجب المعنيين التعاطي معه ولو بحوار متأخر يفضي الى العمل بما سبق لقوى الموالاة رفضه عن حق او عن باطل، لا سيما ان ما كان الحزب في صدد عمله عسكريا وامنيا اصبح في عهدة احزاب وتنظيمات حليفة لا تجد حرجا في متابعة ما حصل في اكثر من منطقة!
واذا كان الرئيس امين الجميل مقتنعا بدعوته الامين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله الى التعهد بعدم استخدام السلاح، فإن طلبه قد جاء متأخرا جدا «لأن العملية المسلحة اصبحت قيد الترجمة» ويستحيل على احد ان يتوقع توقفها، خصوصا انها حققت اهدافا اساسية من ضمن «اللعبة السياسية المتهرئة في البلد»؟!
واذا كان ثمة من يستبعد ان تؤثر العمليات العسكرية في بيروت ومن ثم في الشمال والجبل على المجريات السياسية، فهو اما غبي او غافل، خصوصا ان الاستهدافات تجاوزت بسهولة من كان الظن السائد انه قادر على خوض متكافئ في مواجهة ما حصل!
من هنا يصح الانطلاق في معالجة نتائج «بدايات الحرب الاهلية» بتسريع الحوار، ليس من منطلق الانتخابات الرئاسية او التفاهم على حكومة توافقية، متوازنة، بل من قانون انتخابات نيابية يكفل وحده اعطاء ما لقيصر لقيصر وما لله لله. وحيث يصبح بالامكان وضع الجميع في حقيقة احجامهم، لا سيما ان ما ستسفر عنه الانتخابات حينها، سيضع خريطة سياسية تلغي مختلف المظاهر المشكو منها حاليا، ان لجهة تحكم الاكثرية الراهنة. بمقاعد ليست لها، كما يقال او لجهة خلق توازنات تتيح لحزب الله ان يبقي على توجه سلاحه نحو الداخل مهما اختلفت الاعتبارات!
والذين يخشون من ان يؤدي تصلب المعارضة بالاتجاه الذي يسمح لحزب الله والبقية الباقية من المعارضين بطرح المزيد من شروطهم وتعقيداتهم، هم اياهم من لم يقدر الآن على ان يوقف الحزب والمعارضة عند حد الاتكال على الكلام السياسي وحده، الامر الذي يؤكد «ان ظروف اليوم هي غير ظروف الامس»، حتى وان كان خوف من ان يستمر التصلب لمجرد التصلب.
وثمة من يردد في هذه الآونة، ربما عن حق او عن باطل، «ان حزب الله قد خسر سنيا ودرزيا ومسيحيا جراء ما اقدم عليه». كذلك، هناك من يردد «ان الجرح السني – الدرزي صعب الالتئام» مهما حاول البعض التخفيف من وقعه الوطني والشعبي.
غير ان ذلك لا يمكن ان يقاس بالتمنيات وبالتأويلات، باستثناء القول «ان ميزان الحزب وغير الحزب سيكون من خلال صندوقة الاقتراع» وحدها.
لذا، فإن الحسم السياسي لن يتحقق مهما تطورت الاوضاع الامنية، ومهما اجتهد القائلون «ان عقارب الساعة لن تعود الى الوراء»، بدليل الآية الكريمة القائلة «لو دامت لغيرك لما آلت اليك». وهذا ما يعرفه حزب الله اكثر من غيره، ولا يعقل ان يقع في خطأ مزدوج، في حال اخذ بمقولة بعض المعارضين «ان الظروف متاحة امامه لأن يفعل ما يريد؟!».
المهم، ان الانقشاع السياسي، بعد الاحداث الاليمة المرشحة لأن تستمر، يفرض الاعتماد على حسابات مغايرة لما سبق، «ليس لمجرد حفظ رأس بعض المعنيين، بل لمنع الوصول الى نقطة اللاعودة»، حيث ان حصيلة المواجهات التي راوحت بين 60 قتيلا وحوالى 200 جريح حتى الآن، قد لا تتوقف عند هذين الرقمين، والادلة على ذلك ليس مجرد استمرار المصادمات، بقدر استمرار الشحن السياسي والمناطقي والمذهبي، فضلا عن شحن المصالح الداخلية والاقليمية والدولية (…).
وما هو اكثر اهمية، ان الحوار لا يزال يدور في فراغ العناوين، ومن الصعب على اي كان الوصول الى الدسم من العدم، خصوصا ان هناك من يتكل على المزاجية ليس الا؟!