#adsense

الرهان السوري الخاسر عربياً

حجم الخط

 الرهان السوري الخاسر عربياً 

سفيان عباس

الخسارة في مفهوم الأحداث التاريخية الجسام تعني الموت الزؤام للقيم الوطنية والقومية والإنسانية حسب قوة التجاذب والتصاهر بين الأواصر الجامعة لوحدة القالب الكوني المكون لأصل البناء البشري. والرهان يعني بلغة المنطق تعليق الآمال على هامش الحسبان الزمني الضائع. إن بعض الأنظمة الحاكمة تندفع بقوة غير محسوبة صوب تلك المنطلقات الضبابية في نهجها السياسي المتسلط ما يجعل الأبعاد الفاصلة بينها وبين القواعد الثابتة لشعوبها عميقة الهوة والتلاقي وربما انعدام التوافق في الرمزية الوطنية لأن طبيعة الخيارات التي تجمع الاثنين معا أضحت غارقة بالعمق البعيد. لقد حملت لنا الشواهد عبر العصور السحيقة وما أعقبها من مثيلاتها لاحقاً صوراً مشوهة عن معاني الرهان والخسارة في النمطية البشرية منذ آلاف السنين.

 فالخسارة التي نرمز لها في وحدة موضوعنا ليست شخصية محصورة بالقائد الرمز أو بزعيم المافيا أو برئيس العصابة, وإنما آثارها الفوقية والمتجذرة تعم العباد والوهاد لتشمل اركان الدولة وروافدها الاجتماعية والأخلاقية والإيمانية من دون استثناء. ومن (يوليوس قيصر) الروماني الشهير وهولاكو الماسوني الدوافع والسلاجقة والصفويين وهتلر وباقي الطغاة الشموليين, اجمعوا على الرهان الخاسر في أحقية السلطة والحكم والأطماع والتوسع حتى سقطوا جميعا في مستنقع الخذلان. ولن نستبعد القوى الاستعمارية التي غزت القارات الخمس بفعل القوة الغاشمة فهي اختارت ذات الفلسفة الهجينية عند الخيار والقرار وكل أشكال الرهانات الميتة مسبقاً وكانت النتيجة الخسران الأبدي لهيبتها.

فالنظام السوري قد ارتأى لنفسه ان يكون شبيهاً مزيفاً لعتاة وطغاة الازمان الغابرة فهو يجيد اللعب على البراقع المنتهية من حيث الفاعلية, ويظن أنها قادرة على الوصول إلى الرهان بالمسافة التي أدركها من قبله الخاسرون أصحاب الشعارات المضللة, رفع شعار القومية والمصير والتحرير والمقاومة والرسالة الخالدة وإذا به اول من فتح الحصن العربي الى نظام الملالي الحاكمين في طهران مقابل حفنة من الدولارات المهينة حتى يهيمنوا على الأرض والعرض والمقدرات العربية الى أمد ليس بالقصير, وما يحدث في لبنان من قبل عملاء النظام الإيراني خير الأدلة وأقوى البراهين, وهو المدافع غير الشرعي عن الجرائم التي يرتكبها ما يسمى حزب الله الذي تفصله عن الله سبحانه وتعالى ابعاد الثقوب السوداء وما بعدها من مسافات لا يحدها القياس الزمني الى ابد الآبدين. ان الإيمان بالله جل وعلا لا يجيز التحزب للمفاهيم والتعاليم الإلهية ولا يمكن ان يكون حزباً طائفياً يسمى باسم الجلالة ولفظه المبجل لغرض القتل والدموية والطائفية بدافع سياسي مدعوم من نظام طائفي آخر لا يعترف بكل المسميات الربانية والجلالية القابع قسراً في سرادق قم وطهران. يترحم المواطن العربي على مواقف الإبطال في تاريخه البعيد والقريب لا بسبب مقاومتهم للغزاة فحسب, بل من اجل الثبات على المبادئ القومية والحرص الأكيد للمنجزات المتحققة وعدم التفريط بها.

 الشاذ والمنبوذ وسط الكتلة القومية يبقى محصوراً في خانة الوهم والنسيان واللعنة. فالمراقب العربي يرى النظام السوري مثلما يجد بابن العلقمي كل أسباب الخيانة التاريخية المشينة التي تركت الأثر المهين على مجريات الأحداث العربية. ان التهاون والتهادن والتآمر ضد المصلحة القومية العليا لها مخلفات وتركات ثقيلة لا تبررها الحجج والتبريرات المنفعية الذاتية ولا تمنحها الجواز الأخلاقي أية دوافع مهما كانت ضامنة لتوفير سد حاجة ملحة أو ضائقة وطنية مبررة, فقد عالجت الشعوب هذه الهفوات من حكامها بدماء غزيرة واموال وفيرة حتى تمكنت من تصحيح ما أفسده الخونة والمتآمرون على أوطانهم وشعوبهم ودياناتهم ومذاهبهم. فالعبرة لمن اعتبر والحكمة لصناع المنطق العقلاني والغلبة لكل من اثبت ان مصالح الشعب هي الغاية والقيمة التي تفوق الأوزان والأحجام والتاريخ كله لانها اسمى من التاريخ ذاته كونها فائقة التجلي وتتمتع بالديمومة الأزلية والراية الأبدية. فهل النظام السوري المتآمر على المصلحة القومية قد كسب الرهان?

المصدر:
السياسة الكويتية

خبر عاجل