لعلّ أكثر ما يغيظ أولئك الذين يدّعون احتكار الدفاع عن المسيحيين اللبنانيين، هو أن يقوم طرف آخر معني بمصير المسيحيين بفضح ما يعتري خطابهم السياسي من شوائب، ومقابلته بخطاب سياسي بديل، يسعى هو الآخر إلى الحفاظ على الوجود المسيحي اللبناني الحر والكريم.
إن أولئك الذين يدّعون احتكار الدفاع عن المسيحيين اللبنانيين لم يفهموا بعد أن المسلمين اللبنانيين لا يمكن رميهم في البحر، فهم جزء جوهري من المجتمع اللبناني، شأنهم في ذلك شأن المسيحيين. هم لم يستوعبوا بعد أن مسألة العيش مع المسلمين اللبنانيين في وطن واحد لم تعد خياراً، فهي قد أصبحت منذ زمن بعيد واقعاً لا مفرّ منه، ولا بد من التعامل معه بما يحفظ للوجود المسيحي اللبناني انعتاقه من أي ذمية سياسية محتملة.
ولعلّ المدخل الأفضل إلى ذلك، هو إقرار اللبنانيين جميعاً بأنهم لا يرضون بأن يعيش المسيحيون تحت سيطرة المسلمين، تماماً كما لا يقبلون بأن يعيش المسلمون تحت رحمة المسيحيين، مشددين على أن الحل الأمثل على المدى البعيد هو في العلمنة الشاملة التي تتناول الحياة اللبنانية في جميع ميادينها.
أما أن تقتات بعض الفئات الوصولية سياسياً من الفتات المتساقط عن موائد السطحية السياسية السائدة لدى شريحة من المسيحيين، فهذا ما لم يعد مسموحاً، وهو ما يجب أن يقاوم بقوة الفكر والإعلام حتى يسقط نهائياً، لأنه أمر لا يقرّه عقل، ولا يرضى به منطق، وهو لا يتوافق بالتأكيد مع مصلحة المسيحيين في وجه خاص واللبنانيين في شكل عام.
… خطوةً خطوة، تقدَّمتِ "القواتُ اللبنانية" في تراجعها على درب الأحداث الطويل، مذ كانت مؤسسة جامعة للقوى العسكرية الرئيسة الأربع التي شاركت باسم المسيحيين في حرب سنتي 1975- 1976، وصولاً إلى تحوّلها حزباً سياسياً شخصانياً، لم يعد يحمل من الماضي إلا الإسمَ والراية…
الأولون صاروا آخرين، والآخرون أولين، فغدت "القوات اللبنانية" شعباً بلا قضية، ومقاومة من دون مقاومين، وانقلب التاريخ رأساً على عقب، والخطوات مهما كثُرت، ومهما روِّج لها وأُنفق لتسويقها، تبقى ناقصة…
لقد تعب اللبنانيون من المتاجرة بالقضية، وأرهقهم استغلال الشهداء، وأضنتهم المراهنة على نمو سياسي يربو نتيجة ردود فعل طائفية شعبية على أفعال طائفية سلطوية، وآن لهم أن يقابلوا كل فعل طائفي برد فعل وطني، فيتغلبون على الغريزة، ويحكّمون العقل، فيصيرون أقوياء ليقوى بهم لبنان، لأن قوته من قوتهم وضعفه من ضعفهم…