لم أسمع يوماً بامرئٍ خاطب ميتاً وقام هذا الأخير بالرد عليه. فلماذا نهتف جميعاً، نحن اللبنانيون عند استشهاد أحدٍ بعباراتٍ تكاد تقتحم حاجز الحقيقة المخيفة؟ حقيقة أنّ ذلك الرجل الّذي كان على قيد الحياة قد مات فعلاً. وهو الآن لا يسمع صراخنا وهتافنا الذي بعد مرور سبع أيامٍ على الأكثر يتساقط كورق الخريف تحت سماء المجاز حتى يعود لينبت من جديد في كل ذكرى سنويّة وكأن الموت حصل اليوم.
وتبدأ العبارات المجازيّة: "دماؤك لن يذهب هدراً، بالروح والدم نفديك…" وغيرها من العبارات التي اعتاد بعضهم على تردادها في كل مناسبة. غريبُ، كأنّها حفلةٌ، عرسٌ، كأنّ الرجل تعمّد الموت والإستشهاد. كأنه كان يعلم أنّه سيسقط شهيداً لذلك كتب وصيّته: "حين يدق ناقوس الخطر وتأتي ساعتي، إلحقوني بالكلام". لا، إنّه دفنٌ، مأتمٌ، وداعٌ بلا عودة، سفرٌ بلا رجوع. فالشهيد لا يبتسم مثلما تظهر لنا هذه الصورة المعروضة والمأخوذة له قبل مماته، لأنّه تعذّب واحترق وانسلخ جسده عن رأسه.
لذلك الأجدر بنا أن نعرف المعنى الحقيقي لمفهوم الشهادة وبدل أن نقنع أنفسنا أن الشهيد لم يمت فلنقنع أنفسنا أن الشهيد فعلا مات ولكنه مات من أجلنا ومن أجل حماية قضية شريفة آمن بها وآمنّا نحن بها مع الفارق أنه مات لتحيا القضية ونحيا نحن بها.
ألشهيد أعظم من أن نكتفي بتعليق صوره على الطرق، وأن نردد له عباراتٍ و نصوصٌ، وهو أسمى من أن نقف له دقيقة صمتٍ واحدة. فهو بحاجة أن نتمم ما بدأ به واستشهد من أجله. هو بحاجة أن نكمل الطريق ونحقق ما كان ينوي تحقيقه والا يكون استشهاده ذهب هدرا.
فلنفهم تماماً معنى كلمة "شهادة". الشهادة حافز للحياة وايمان بالمستقبل وهي دليل على أن لبنان بلد عظيم فيه من يبذل نفسه من أجل بقائه سيدا حرا مستقلا.
تحيّة إجلال لشهداء القوات اللبنانية ونعاهد الوطن أن نكمل المسيرة التي بدأها أسلافنا من قبلنا واستشهدوا من أجلها ولنصلّي من أجلهم ليسكنهم الله على يمينه ولنصلي من أجل الوطن لكي يرحمه من الذين يعبثون به خرابا وفسادا.