لا أفترض أن هناك ما يمكن أن يكون مفاجئاً في الأداء الميليشيوي الذي أظهره "حزب الله" باستعراض علني مقصود في واقعة "مطار رفيق الحريري الدولي". لا الشكل يفترض أن يفاجئ ولا الأحداث المقصودة من وراء ذلك. فالإثنان وليدا حالة لا زال العجز طابعها الأشمل.
العجز المقصود هنا، هو ذلك الذي يعني عدم القدرة على تقديم نص مقنع للآخرين بعيداً عن الاتكاء على السلاح.. كل محطة أمنية على مدى السنوات الماضية، من الاعتصام في وسط العاصمة ومحاصرة السرايا، الى الحوادث المتفرقة أواخر 2006 وأوائل 2007، الى 7 أيار، وصولاً الى واقعة المطار، كلّها وغيرها الكثير إنما كانت نتاج محاولة صرف غلبة التنظيم الحديدي والبنية العسكرية في السياسة… والتعويض عن الفشل في كل باب من أبوابها.
والعجز هنا هو ذاك الذي يعني، في ما يعنيه عدم تطابق الحساب مع المنطق وسويته، ما يؤدي حكماً (وأدى عملياً) الى وضع السلاح على الطاولة في كل مرة تغيب القدرة على ترجمة ذلك السلاح في صناديق الاقتراع تبعاً للنظام الديموقراطي القائم (على علاّته). وفي كل مرة تُستنفد الوسائل المدنية "العادية" المعتمدة في حالات مماثلة وفي مقدمها ورأسها التزوير، وفي كل مرة يصدم "الواقع" اللبناني (قبل الإقليمي والدولي) مشروع الغلبة والفرض المتفرع من جذع مشروع إمبراطوري يطال المنطقة برمّتها ولا تهمه الأكلاف والطرق والوسائل من أجل تطبيقه.
حالة عجز مركّبة على قوة عسكرية وأمنية وإعلامية ومالية يُعتدّ بها، ولا مثيل لها في التاريخ اللبناني. لا منطق في هذه الحسبة، إنما عبث يؤدي الى كوارث. وهذه تتناسل وتتوالد في طريق يتجه نزولاً لا صعوداً ويأخذ معه كل شيء، بما فيه النص الديني المليء بأحكام تُحرّم الانتحار والتفتيت الفتنوي والاحتراب الأهلي وكل ما يؤدي الى سفك الدم بالجملة أو بالمفرق، عدا عن اشتماله على كل ما يُحرّم الأفعال الآتية من رجس الشيطان ومنها تعلية الباطل على الحق، والافتراء الاعتدائي الفظ قولاً وعملاً على أقوام وجماعات أخرى، طالما أن الدار دار سلام وليست دار حرب.. حتى إشعار آخر؟!
.. حالة عجز استثنائية. ولا يحضر المنطق هنا إلا للفرجة فقط.. وإلا ماذا يعني أن يضطر حزب عنده كل ذلك المدَدَ البشري والعسكري الى تمثيل مشهد سينمائي بإخراج فاشل من أجل إيصال رسالة من المطار، أياً تكن تلك الرسالة؟ وماذا يعني أن يضطر حزب عنده كل تلك الإمكانات الى الاستناد الى شتّام موتور متذاك من أجل "إيصال" موقفه في اللحظة القضائية الدولية الراهنة؟ وماذا يعني أن يضطر حزب، أساس كتابه الشرع، الى "تعليق" فرائض أساسية في ذلك الكتاب من أجل تسويق موقف سياسي أو غير سياسي؟ وقبل هذا وذاك وذلك، ماذا يعني صدّ اليد الممدودة لحفظ عروة لا تزال تربط الناس ببعضها وتحفظ سيبة توحيدية من أجل تسجيل نقاط هنا وهناك؟
عجز مُركّب وخطير. وخطورته تكمن في قدرته على تعميم الأذى.. وهو في كل حال خلاصة تركيبة قلقه لا تفعل إلا تعميم قلقها على الجميع.