والآن بماذا يشعر أهل "القسطنطينية" المختلفون على جنس شياطين شهود الزور، وايضا على الأبالسة الذين نبتت لهم أجنحة الملائكة فجأة، كما ينبت الفطر في برية الرعد والظلمة؟
فعلاً بماذا يشعر اهل "واترلو السياسية"، الصاخبة والمفتوحة على مداها في بيروت، عندما يقرأون اخبارا اشبه بصفعات تقول لهم: الى الجنوب درّ؟
نعم الى الجنوب درّ، حذراً واستعداداً وتفاهماً وتكاتفاً ووحدة وطنية بلا كذب او زيف، فلا شيء يمكنه ان يحمي لبنان في مواجهة خطط العدو الاسرائيلي واستهدافاته، اكثر من التفاهم بين ابنائه، الذين تعصف بهم ويا لمرارة السخرية، خلافات تكاد تسقط المعادلة المثلثة التي قامت عليها هذه الحكومة، اي "الدولة والشعب والمقاومة". فليس سرا ان الدولة تكاد تكون اثرا بعد عين، وهناك من يمضي في تجاوزها وقضمها، كما هناك من يقرع طبول العصيان عليها من باب الهدم الصريح واوهام اعادة البناء التي يعرف الناس تاريخها واصلها وفصولها"!
❑ ❑ ❑
كان يكفي امس ان يقرأ المرء كلام وزير الخارجية الفرنسي برنار كوشنير عن قلق باريس حيال الجنود الفرنسيين العاملين في قوات "اليونيفيل" في جنوب لبنان، حيث الوضع يدعو عمليا الى القلق، الذي يساور بالتأكيد كل الدول المشاركة في هذه القوات، التي قد تجد نفسها فجأة بين نارين.
وكان يكفي ان يقرأ الخبر الذي سارعت السفارة الاميركية في بيروت الى نفيه، بعدما ترك قشعريرة خوف عند الكثيرين، بازاء دعوة الرعايا الاميركيين الى مغادرة لبنان في خلال اسبوع، وهي قشعريرة موجودة اصلا ولن يزيلها بيان ينشر او يتم نفيه!
ثم كان يكفي ان يقرأ المرء تقرير معهد "واشنطن انستيتيوت" للابحاث عن سيناريو الحرب المقبلة التي يستعد لها العدو الاسرائيلي، ويشكل لبنان و"حزب الله" هدفا محوريا فيها، لكي يصاب بما يتجاوز قلق باريس وواشنطن، رغم ان المعهد المذكور مؤيد لاسرائيل، وتعمد في تقريره إمطار اللبنانيين بعاصفة من الخوف والحذر، وذلك طبعا في اطار الحرب النفسية، التي تشنها تل ابيب لبث الشكوك في صفوف اللبنانيين دولة وشعبا ومقاومة، فكيف اذا كان هذا المثلث غارقا اصلا حتى اذنيه في انقساماته السياسية وضغائنه الطائفية والمذهبية وكل ذلك على خلفية "الحرب" لاسقاط المحكمة الدولية، ولفح رياح السموم المذهبية العاصفة في المنطقة.
❑ ❑ ❑
واذا كان اللبنانيون ليسوا في حاجة الى تقرير معهد الابحاث الاميركي المذكور، لادراك مدى جدية الاخطار وعمق التهديدات التي تعدها اسرائيل للبنان والجنوب وحتى لسوريا، وخصوصا ان هذا التقرير هو مجرد فصل في مسلسل متلاحق، يتحدث عن الاستعدادات والحشود والقباب الحديد، وما الى ذلك من المناورات الميدانية غير المسبوقة والاوسع في تاريخ الكيان الصهيوني، فإن الحد الادنى من الواجب والدراية والحكمة والاستعداد يقضي بأن يفهم الجميع وخصوصا اولئك الذين يشعلون الحرائق في بيروت، ان عليهم وعلى الجميع ان يستجيبوا صرخة الاستعداد والوعي:
الى الجنوب درّ.
والجنوب وكذلك لبنان يحتاج في المقام الاول الى دولة تحميه. دولة تستطيع ان تخاطب العالم وان يخاطبها، وان تقتحم رؤساء العالم ومقاماته على ما فعل الرئيس الشهيد رفيق الحريري لوقف حرب "عناقيد الغضب" عام 1996 وتشريع المقاومة، والهجوم على سعد الحريري الآن يستهدف الدولة ويساهم في توسيع خلافات الشعب. ولبنان يحتاج الى شعب متماسك ومتلاحم ليحميه ويحمي ايضا المقاومة. ففي الحرب التي قد يتعرض لها هذا البلد التاعس مرة اخرى، فانه يحتاج الى تناسق حقيقي بين الدولة والشعب والمقاومة، ويحتاج الى فهم ان الوحدة الوطنية لها فعل الصواريخ وأشدّ!