ما كانت المحاججة إلا بديلاً جليلاً عن الشتيمة من جهة، وبنتاً محترمة للأصول الاجتماعية والقانونية والقضائية من جهة ثانية.
.. من يُحاجج لا يصرخ، ولا يزوّر، ولا يُهين، ومن يُحاجج، يحمل في يسراه حجّته وفي يمناه بيان أخلاقه. ومن يُحاجج لا يطلق العنان إلا لمعطى الاحترام بكل أبعاده وصنوفه وفي رأس ذلك احترام الآخرين وعقولهم، والابتعاد عن فرضية القدرة الذاتية على البلف. ومن يُحاجج لا يستند الى قوة زنده أو زنود جيرانه، بل الى قوة منطقه وبيانه وطلاقة لسانه وبياض سريرته ونقاء وجدانه (أو ضميره إن كان حياً يُرزق).
ومُعطى الاحترام في أساسه وانطلاقه ومنبته ومرعاه إنما الذات الأمّارة إيّاها.. لا يحتاج المقام في هذا الزمن الحداثي الى تواتر ونقل، بل تمكن الرؤية مباشرة على الهواء. والناس في هذا مفطورة على معرفة الصح من الخطأ، والفجور من الهدوء، والكذب من الصدق. ومفطورة قبل ذلك على احتقار من يستغبيها ويذلّ ذكاءها ويحطّ من قدرة أحكامها. ومفطورة فوق ذلك على إدانة من يغشّها، ويزوّر عليها، ويحاول أن يزعزع منطقها البسيط والطبيعي، وأحكامها الأولى السريعة والأليفة الخارجة من مكان آخر يُسمى الإحساس.
.. من يُحاجج لا يكذب. وحده المتذاكي وليس الذكي هو من لا يقرّ بهذه المفردة البديهية. وصنوه في ذلك البلطجي الفتّاك والأزعر الذي يفرض كذبه ويسوّقه كحقائق. وعندما يُكشف القناع، تخرج القبضات مستبدلة القلم بالسكين، وتفلت الألسنة مستبدلة الرأي بالتهديد، وتصير الرعونة نهجاً سبّاقاً على أي منطق سويّ.
ثم من يُحاجج لا يهرب في وقت الجدّ من تقديم أسبابه ومعطياته. ولا يفرّ من أمام حقائق تنسف خطاب الوهم، وتمزّق ورقة التزوير التي تحاول أن تغطي الجبل بشرشف مرتوق، أو أن تسدّ طريقاً سريعة ببحصة وكمشة رمل، أو أن تلبط الحيط بقدم مكسورة.
لا تمشي هذه اللعبة في أي مكان.. ولا حتى في المصحّات العقلية المفتوحة في بعض نواحيها للطافحين بالنرجسية، والغارقين في عته تضخيم الذات ونفخها وصولاً الى تخيّل أدوار خلاصية أرفع مستوى من عموم الناس المطمّشين.. أو الذين يعتقدون أن النظام المرصوص المطلوب في ساحات الوغى يمكن تعميم أحكامه في ساحات المدن وبين الناس، ويمكن تركيب سياق عسكري على شأن مدني، أو سياق حربي على شأن سياسي أو قضائي.
مليئة كتب التاريخ القديم والحديث بخبريات عن تلك الحالات و"مآثرها". وعن القصور الخطير في مستوى وعيها والشطط الأخطر المتأتي من نقصان معرفتها، وما أديا إليه من نتائج كارثية معظهما كان يمكن تفاديه.
.. في زماننا الراهن، لا زلنا حتى اللحظة "نعيش" نتاجات تلك الحالات المريضة، وما سببته من كوالح وكوارث ومآس… وما زلنا ننتظر قيام خيل المنطق من كبوته التي طالت واستطالت الى حد أن "الكُرّ" صار يفترض حاله حصاناً.. ويريدنا أن نصدّق ذلك غصباً عنّا، إذا استطاع لذلك الغصب سبيلاً!