عندما يدعو نائب في البرلمان اللبنانيّ قطاعات واسعة من الشعب اللبنانيّ ليسَ فقط إلى "القلق" في الآتي من أيّام، وإنّما إلى "الذعر" بصريح العبارة، فهذا يعني أنّ "الفاشية" لم تعد مجرّد تهمة يرمى بها الفريق الذي ينتمي إليه هذا النائب، بل صارت هي الصفة التي يتبناها ويؤصّلها هذا الفريق بشكل علنيّ ويفاخر بها.
والنائب الشجاع لا يستطيع لاحقاً الهروب إلى تأويل باطنيّ تهذيبيّ تخفيفيّ لخطابه. هو لا يحصر الذعر بـ"أفراد" قلائل، وإنّما بـ"مجموعات". يقول "ان أي مجموعة في لبنان قد تلتزم بالقرار الظنيّ، سيتم التعاطي معها على أنّها واحدة من أدوات الغزو الأميركي الإسرائيلي، وسوف تلقى ما يلقاه الغازي".
قد يوحي هذا الكلام بأنّ صاحبه يكتفي بالترهيب قبل صدور القرار الظنيّ، ويؤجّل الإرهاب إلى ما بعد صدور القرار الظنيّ. منطقه مركّب هكذا: الآن نلعب، وبعد القرار الظنيّ ننتقل إلى الجدّ. وطبعاً، فإنّ النائب الشجاع لا يعطي للبنانيين الوقت، ما بين الترهيب الراهن والإرهاب الموعود، بأنّ يقرأوا القرار الظنيّ. يفترض باللبنانيين بحسب هذا النائب أن يتبرأوا من هذا القرار قبل صدوره، إلا أنّ الإرهاب الحقيقيّ لن يأتي إلا بعد صدور القرار.
لكن في كل الحالات، كيف لـ"مجموعة في لبنان" أن "تلتزم بالقرار الظنيّ" ما دام هذا القرار هو قرار "ظنيّ" وليس بحكم؟ كي يعطى تصريح النائب الشجاع حقّه ينبغي إعادة كتابته على الشكل التالي: "ان أي مجموعة في لبنان قد تقرأ القرار الظنيّ، سيتم التعاطي معها على أنّها واحدة من أدوات الغزو الأميركي الإسرائيلي، وسوف تلقى ما يلقاه الغازي". فما يبرّر الإنتقال من مرحلة الترهيب قبل صدور القرار، إلى مرحلة الإرهاب بعد صدوره، هو تحديداً هذا الجرم، جرم القراءة.
في الواقع، وحدهم الأفراد الذين سيتوجّه إليهم القرار الظنيّ بشبهة أو بإتهام من سوف يتعيّن عليهم الإلتزام بالقنوات القانونيّة الشرعيّة للدفاع. اللبنانيّون غير معنيّين بـ"الإلتزام" إلا في حدود القراءة.. لكن ما الحال في نائب يفترض به بحسب المادة 27 من الدستور تمثيل الأمة جمعاء، يحذّر الناس من الإقدام على فعل القراءة، ويتوعّدهم بـ"الذعر".
والنائب يتحدّث عن "أي مجموعة في لبنان"، والمجموعة كي تكون مرئية سياسيّاً إمّا هي طائفة أو جزء من طائفة، وقد تكون المجموعة ملّة أو مجلس ملّة. بالتالي يمكن إعادة كتابة التصريح على الشكل التالي: "ان أي طائفة – أو جزء من طائفة في لبنان، قد تقرأ القرار الظنيّ، سيتم التعاطي معها على أنّها واحدة من أدوات الغزو الأميركي الإسرائيلي، وسوف تلقى ما يلقاه الغازي". وماذا "يلقاه الغازي" يا ترى؟ القتل! أي مجموعة تقرأ سوف تقتل إذاً.. كيف يتأمّن الذعر إذاً؟ بإستحضار مشاهد المجازر الجماعية.. وربّما غرف الغاز!
هذه مفارقة العصر: تشريع القتل من قبل عضو في السلطة التشريعية بحجّة أنّ القرار الظنيّ للمحكمة الدوليّة سيتّهم فريقاً معيّناً ظلماً بممارسة فعل القتل!
فهذا التصريح هو برسم كل "اللاطائفيين" المزعومين أو السذّج في لبنان. ماذا يقول "اللاطائفيّون" هؤلاء؟ هم يستنكرون ويستبشعون عودة العصبيات، ويدعون إلى الترفّع عنها جميعها، لكنّهم بعد ذلك يخرجون علينا بـ"استثناءات" مضحكة مبكية. أحد هذه الإستثناءات أنّ كل العصبيات كانت لتتعادل لولا أنّ إحداها تلتزم "المقاومة" والصراع ضد إسرائيل، وبالتالي تكون النتيجة أنّ "اللاطائفيين" يبرّرون الخطاب المذهبيّ – المقاوماتيّ مرّتين: مرّة إذ يدّعون بأنّ الجميع في لبنان يدمن الخطاب المذهبيّ والطائفيّ بنفس القدر والسعة، ومرة إذ يدّعون أنّ الخطاب المذهبيّ والطائفيّ لـ"الفئة المقاومة" لا يلغي صفتها كـ"فئة مقاومة".
في الحقيقة هؤلاء "اللاطائفيون" المزعومون إنّما ينافسون الفاشية المذهبية فاشيّتها. الفاشية الغيبيّة تريد لنفسها أن تكون فاشيّة "فئويّة" مذهبية، والفئوية قد تقيّد بعضاً من نزواتها التدميريّة. لكن اللاطائفيين المزعومين يريدونها فاشيّة كاملة، "فئوية" و"لا فئوية" في آن، "مغلقة" و"مفتوحة" في الوقت نفسه. يريدون لهذه الفاشية أن تكسب ما تكسبه من "الفئوية" وأن تكون لها في الوقت نفسه مزايا وإمتيازات "اللافئوية". هم يريدونها فاشية غير مقيّدة بشيء، هجومية على طول الخط.
على الأقل، الحالة الفاشية الفئوية تسوّغ لموقفها ضد المحكمة الدوليّة بحجّة "مظلوميّتها"، أي بحجّة أنّ أمراً لم تقم به ويراد إتهامها به. أما هؤلاء "اللاطائفيون" المزعومون، فسيّان عندهم من اغتال ومن اغتيل، المهم "وقف الغزو الأميركيّ – الإسرائيليّ"، بل إنّ من "اللاطائفيين المزعومين" من يدرج جرائم الإغتيال ضد رجالات ثورة الأرز في إطار صدّ "الغزوة الإستعمارية".
لأجل ذلك، فإنّ تصريح النائب الشجاع مناسبة لقول في موضوع الطائفية واللاطائفية. أن تكون لاطائفياً حقيقياً في لبنان فلا يعني ذلك أن تكون "ضد كل النعرات والعصبيات" ، ثم تعود بعد ذلك فتستثني إحداها لأسباب تتعلّق بـ"مقاومة الإمبريالية". أن تكون لاطائفياً حقيقياً في لبنان يعني أن تقف بصلابة، وجرأة، وبلا قابلية للخوف ولا للذعر، لـ"مقاومة الفاشية"، أي كي تستنكر وقائع إضطهاد طائفة لطائفة أخرى، وما يحصل اليوم في لبنان أمر من هذا القبيل: ثمّة فريق يضطهد طائفة أخرى، بل طائفتين، بل الأحرار من طائفته وجميع الطوائف الأخرى.