عديدة هي الملاحظات ذات البُعد الثلاثي التي يمكن تسجيلها حول مضمون الخطاب الذي ألقاه الدكتور سمير جعجع رئيس الهيئة التنفيذية للقوات اللبنانية، وحول الحشد الشعبي والسياسي الذي ميّز قداس شهداء المقاومة اللبنانية في هذه السنة، على الرغم من الجو المناخي غير المؤاتي، ومحاولات عرقلة وصول الوفود الى مكان الاحتفال، وعلى الرغم من الصورة التي حاول تعميمها خصوم القوات اللبنانية وتكتل 14 آذار من ان 14 آذار قد انتهت، وان هذا التكتل الشعبي المليوني قد فقد الكثير من عصبه بعد إعادة تموضع النائب وليد جنبلاط، وبعد مصالحة رئيس الحكومة سعد الحريري مع سوريا.
الملاحظة الأولى، قواتية بامتياز، وتتمحور حول الحجم الذي وصل اليه حزب القوات اللبنانية، بعد خمس سنوات فقط على خروج الدكتور جعجع من السجن، وما حمله معه من رؤية جديدة وتوجّه جديد، وممارسة جديدة حرص على ان تكون عدة شغله في إعادة بناء وتنظيم الحزب بعد سنوات طويلة من القمع والقتل والسجن والنضال والضعف عند البعض، فأكد يوم السبت الماضي، ان القوات قوة شعبية كبيرة فاعلة ومؤثرة، ليس على الساحة المسيحية وحسب بل على مساحة الوطن كله.
الملاحظة الثانية، وهي وطنية جامعة، عكست مدى عمق العلاقة القائمة ما بين القوات اللبنانية المسيحية الجذور، وبين تيار المستقبل، الاسلامي الجذور، وهذا العمق ظهر بوضوح في الوجود الكثيف لوزراء ونواب وقيادات لتيار المستقبل، وفي تعليقاتهم التي أكدت على ما أعلنه في أكثر من مناسبة سعد الحريري بأن لا شيء يمكن ان يبعده عن حلفائه سوى الموت، ويضاف الى هذه العلاقة الوثيقة بين المسيحيين والمسلمين على قاعدة التمسك بالدولة ومؤسساتها وبالمحكمة الدولية، وبالانفتاح على العالم العربي، كان لافتاً أيضاً الحضور الكثيف لقيادات مسيحية ورؤساء احزاب ومشاركتهم شعبياً ولو في شكل رمزي مع حلفائهم القواتيين، ما أسقط الشائعات ومحاولات زرع الخلاف ما بين القوات وحزبي الكتائب والوطنيين الاحرار، مع تسجيل حضور عدد من القواتيين الذين ابتعدوا عن الحزب منذ سنوات عدة.
الملاحظة الثالثة، التي توقف عندها المراقبون، هي البعد العربي الايجابي في كلمة الدكتور جعجع، حيث أكد أن لا سلام ولا استقرار ولا حلّ في منطقة الشرق الأوسط، الا بالحل العادل والشامل للقضية الفلسطينية، وهي القضية العربية الأمّ، مع تذكيره مرة أخرى برفض القوات اللبنانية، والحلفاء في تيار المستقبل، اي حل يقوم على توطين الفلسطينيين في أماكن وجودهم، وبالتالي فان اي كلام من هذه الجهة او تلك ليس سوى موقف دعائي لتشويه سمعة القوات والحلفاء في «المستقبل».
خارج هذه الملاحظات الثلاث الأساسية، لم يخفِ جعجع تخوّفه من ان الذين يضغطون باتجاه الغاء المحكمة الدولية انما يريدون استخدام هذا الالغاء منصّة أو باباً للانقضاض على الدولة والوطن، كما اتهم جعجع الذين يدعون الى محاربة الفساد، بأن تاريخهم لا يؤهلهم للقيام بهذه المهمة التي ينشدها المخلصون والعاملون من أجل قيام دولة قوية عادلة، بعكس من يشتغل لاسقاطها والقبض عليها. اما المبادرة القنبلة التي أطلقها جعجع، وخاطب من خلالها القاعدة الشعبية في التيار الوطني الحر، داعياً شبانها وشاباتها الى اللقاء على قاعدة المبادئ والثوابت والاهداف التي تضمنها الكتاب البرتقالي وملحقاته، وخاض التيار على أساسه الانتخابات النيابية في العام 2005، ونال بموجبها تأييداً مسيحياً عارماً، فانها – أي المبادرة – كان لها وقع الصاعقة على قيادات التيار الوطني، فهاجموها بعنف ورأوا فيها محاولة لدقّ إسفين بين القيادة والقاعدة، ولم يجدوا ما يردّون فيه على جعجع سوى العودة الى المعزوفة التي مجّها اللبنانيون عموماً والمسيحيون خصوصاً، وهي فتح ملفات قديمة اصبح القاصي والداني يعرف من فبركها واطلقها وتابعها واستغلها وما يزال يتاجر فيها، الى ان يصلوا الى اتهام القوات بأنهم انعزاليون ومتقوقعون، ويدعون قاعدة التيار الى الانعزال والقوقعة، مع ان انفتاح جعجع على الشريك المسلم في الداخل اصبح من المسلّمات والثوابت، مثله مثل انفتاحه على العالم العربي، وزياراته الى مصر والكويت وقطر وعلاقاته مع مختلف الدول العربية الأخرى اكثر من جيدة وممتازة.
جعجع، من مركز القوة لا الضعف، مدّ يده للتعاون مع القوة المسيحية الثانية، على قاعدة الثوابت الاستراتيجية التي اطلقها التيار الوطني، والتشكيك وقبض اليد، والاتهام والرفض، مسؤولية من يعتمدها أسلوباً لحياته، بعيداً من الثوابت المسيحية والوطنية التي يتجاوز عمرها الألف وخمسماية سنة.