زرعوا أجسادهم في كل شبر من أرض لبنان، فمنهم مَن غاب مع غروب الشمس، ومنهم مَن سقط مع صياح الديك، ومنهم مَن رحل مع ظهور القمر بدراً كوجهه، ومنهم مَن استبدل رجليه بكرسي نقّال ومنهم … ومنهم … إلاّ أن القاسم المشترك هو أنهم جميعاً ضحّوا أو سقطوا لأجل لبنان وأنهم جميعاً أبناء عائلات أقلّ ما يُقال فيها أنها مؤمنة، ثابتة، متجذّرة، أصيلة، متفانية بمحبتها للبنان.
نعم، هؤلاء تركوا وراءهم أمهات مفجوعات وأطفالا باتوا أيتاماً وآباء يفخرون بانضمام أبنائهم إلى لائحة المجد والخلود.
نعم، منهم مَن كان مهندساً أو طبيباً أو محامياً أو مدرّساً أو تاجراً أو طالباً أو مزارعاً أو صاحب مهنة وليس أبداً كما يحلو للبعض بتصويرهم أنهم مجموعة عاطلين عن العمل التحقوا بمعسكرات التدريب آنذاك وسقطوا على الطريق من دون سبب، فهذا قمة التضليل والإفتراء والحقيقة تقتضي بأن ننصفهم ولو ببضعة سطور كافية لدحض المزاعم.
نعم، تحلّقوا حول ثوابت سُميّت يومها "بقضية وطن ومشروع دولة". آمنوا بهذه القضية وشربوا كأس لبنان حتى الإستشهاد، فهؤلاء لا نكرّمهم مرّة في السنة إنما نصلّي لأجلهم مع كل تنهيدة ونشكر الله على أنه أوجد بيننا هؤلاء الأبطال الذين افتدوا بأرواحهم وأجسادهم وطناً ومجتمعاً.
نعم، نجتمع في أيلول من كل عام لا لنتذكّرهم فقط إنما لنذكّر العالم أجمع أن في هذه المساحة الصغيرة من العالم قوافل كبيرة سقطت لتبقى هذه المساحة قائمةً على الخارطة الدولية وتُسمّى "لبنان".
إلى هذه القافلة، لا بل إلى هؤلاء الشهداء، وكعادته أطلّ كعملاقٍ نادرٍ في السياسة ليخاطبهم من دون أن يطمئنهم كما في كل عام حيث توجّه لهم قائلاً: "لا تناموا قريري العين فالإنقلابيون على الأبواب المسدودة".
نعم، لقد دقّ ناقوس الخطر ووضع النقاط فوق الحروف بجرأة معهودة وصراحة متناهية. فهو لا يعرف المهادنة ولا المراوغة لدرجةٍ أنه يتعاطى السياسة بحزمٍ وجزمٍ، يرفض اللف والدوران، بشرفٍ يحالف وبشرف يخاصم، صريحٌ حتى الإزعاج حيث دلّل على مكامن الخطر المحدق محذّراً من سقوط الدولة، هذا من جهة، ومن جهة أخرى مدّ يده "للعقلاء" على الضفة المقابلة ودعاهم للعودة إلى الثوابت واضعاً إصبعه على الجرح البليغ في خاصرة الوطن.
بدا كأنه أمّ الصبي … وهو كذلك
ظهر كأنه المسؤول عن مجتمعه … وهو كذلك
تبيّن كأنه الحريص على عدم سقوط الهيكل … وهو كذلك
أكدّ كأنه الحاضن الأول للمؤسسات الشرعية … وهو كذلك
أثبت مرّةً جديدة كأنه رجل دولة بامتياز … وهو كذلك
أحسسنا كأنه المؤمن بلبنان أولاً وأبداً … وهو كذلك
تكلّم بلغة الواثق الواثق … وهو كذلك
أطلّ كأنه ضمير لبنان … وهو كذلك
شعرنا كأنه أملنا الوحيد والأخير … وهو كذلك
لأنك كذلك أقبّل جبينك العالي بعلو جبل صنين،
لأنك كذلك أنحني احتراماً للقلم الذي أمسكته بيدك وسال منه حبر العنفوان لأجل لبنان،
لأنك كذلك يلتف حولك عشرات الآلاف من المؤيدين والمناصرين الحاضرين دائماً وأبداً للتضحية في سبيل لبنان،
لأنك كذلك هم يخافونك ونحن نخاف عليك…
لذا أكتب لك بقلمٍ يرتجف بين أصابعي وعينان دامعتان، الأولى قلقاً على مصير لبنان، والثانية فرحاً لأننا نعاصرك في هذا الزمان والمكان، ومعك ننظر بأمانٍ إلى مستقبل لبنان، لبنان هذا الوطن الذي قدّمت له زهرة شبابك وسنوات طويلة من حياتك ونضالك، راضخاً لمشيئته، كل ذلك لأنك مؤمنٌ بالله وبلبنان وهنا تكمن الحقيقة لا بل جوهر الكلام.
لأنك كذلك حاول أحدهم وهو قصير القامة وطويل اللسان أن ينزع عنك صفة الدكتور أو الحكيم وتجاهل أنك تحمل 600 ألف دكتوراه بالشهادة والشهامة، بالأدب والإيمان، بالوطنية والأخلاق وعفة اللسان، بالعنفوان والإقدام والإندفاع والثبات، والأهم هو أنك تحمل دكتوراه بجرأة الدفاع عن لبنان حين دقّ النفير، رفضت كل الإغراءات والعروض وسلّمت نفسك لأعدائك وارتضيت زنزانةً تحت التراب إنما "تحت تراب جبل لبنان"، فيما الثرثار تخلّى عن وقفة عزٍّ وفرّ غير آبهٍ لا بأحياء ولا بأموات، متخلياً عن زوجته وبناته.
لذلك أنت حكيم الحكماء بامتياز وفارس الفرسان، فيما سواك لا يصلح إلاّ أن يكون مٌخبراً لبلاد الفرس مُغطياً السلاح المأجور ومُبشّراً بزوال الدولة وقيام الولاية.
لذا أسأل الله أن يحميك من كل شرّ ومكروه، سدّد خطاك ومنحك أياماً عدة وسنين مديدة لنشهد معاً قيامة لبنان العتيدة.
شكراً لك، لا بل شكراً لكم جميعاً لأنكم صنعتم معنا يوماً تاريخياً، باهراً، مليئاً بالتألّق والتفوّق والنجاح، والأهم هو أن هذا اليوم جمع شبّاناً ورجالاً أشداء يرفضون الخضوع أو الركوع ويؤمنون كما أنت تماماً بالله وبلبنان، هذا الوطن الذي من أجله نحيا ومن أجله نموت.
وما لم تقله بخطابك مباشرةً قلتَه بلغة العيون ومضمونها: "اليوم أرى في عيونكم الغدُ وغداً أرى فيكم المجد، مجدُ لبنان … كل لبنان".