من يتقصد افتعال مشكلة، لن يعدم وسيلة للوصول الى غرضه، وكلنا يعرف مغزى حكاية تعكير المياه التي لا هدف من وراء الاتهام به، سوى افتعال مشكلة تعكس قدرة الاقوى على ابراز عضلاته للايهام بان الحق معه والى جانبه، وهذه ليست حكاية اليوم، بل هي حكاية البشرية منذ الخلق الاول ووجود آدم وحواء وقايين وهابيل.
في فترة، ليست بالقصيرة، وفريق من اللبنانيين يصرخ بأعلى صوته في وجه اخوته وشركائه، في الارض والوطن والدولة والحياة والقرار، ويتهمهم بانهم عكّروا عليه صفو خاطره، ووجب عليهم ان يدفعوا الثمن، وهو في سلوكه هذا ينفذ حرفياً المبدأ القائل «الحق دائما مع الاقوى» وهو مبدأ درج عليه الغزاة ومفتعلو الحروب منذ القدم، وما زال ساري المفعول حتى الآن، وسيبقى الى نهاية العالم، ما دام هناك من يؤمن ان الحياة للاقوى، وهذه الحالة تعاقب على اعتمادها دورياً افرقاء لبنانيون منذ بداية الحرب، دون ان ننسى ما سببه السلاح الفلسطيني في الداخل اللبناني، عندما شعر انه الاقوى على الساحة اللبنانية، لذلك من المستغرب والمستهجن، بعد التجارب العديدة التي مررنا بها، ان يهدد لبناني، لبنانياً آخر في وجوده وحياته، لانه لا يوافقه الرأي ويرفض البصم على ما يراه مجحفاً بحقه وحق البلد، ولا يرى في سياسته سبيلاً لحماية مجتمعه ووطنه وتراثه ونمط عيشه.
***
هذا الضغط الذي يمارس على سعد رفيق الحريري، ومحاولات وضع الكلام في فمه، التي يستخدمها بعض الاعلام، والتهديد الذي يوّجه اليه والى تياره وحلفائه، والكلام المهين بحقه من بعض الوزراء والنواب السابقين، ومن بعض النكرات الذين لا قيمة لهم ولا وزن، امر معيب تجاه مطلق انسان عادي، له كرامته وعنفوانه وحقوقه، فكيف مع رئيس حكومة الوفاق الوطني الذي يفترض ان يحظى باحترام الجميع، وفي شكل خاص خصومه في السياسة ممن اكدّوا في اكثر من مناسبة، ان جرّبونا شركاء في الحكم لتعرفوا اننا لا نريد تعطيل الدولة ولا الانقلاب عليها، فظهر في النتيجة انه كلام ليل يمحوه النهار، وان حكومة الوفاق الوطني، مطلب حق يراد به باطل، وان الوفاق الوطني كذبة كبيرة تلوكها الالسن، وترفضها الممارسة، وان الوعاء الذي لا يمتلئ هو وعاء عائب، وان صدور اللبنانيين امتلأت غضباً ونقمة وحتى ثورة على هذه الاجواء المسمومة التي تفرض عليهم، وانهم باتوا يتمنون ان ينفجر الدّمل، وتقع الواقعة التي تقرع طبولها صبحاً وظهراً ومساء وعند صياح الديك، وخصوصاً ان تسعين في المائة من اللبنانيين يعيشون من قلّة الموت.
اصبحت معرفة ما يسمّى بشهود الزور عند البعض، اهمّ من الاستقرار والسلام وتوفير الماء والكهرباء والمدارس والعمل ووقف الهجرة ومنع التصحّر، وغيرها من الخدمات التي لا يمكن ان تتوفر الا بالهدوء والتعاون وتغليب المصلحة العامة على ما عداها، وما يدعو الى الدهشة ان شهود الزور هؤلاء قد اسقطهم التحقيق الدولي من حساباته، وبالتالي لا مكان لهم لا في التحقيق ولا في المحكمة، والعدالة اللبنانية آجلاً ام عاجلاً ستطالهم وتعاقبهم وتعاقب من وقف خلفهم، واذا كان التحقيق الدولي استمر لخمس سنوات كاملة، وقد يستمر اكثر، فمن باب اولى ان المحكمة لن تنهي اعمالها قبل خمس او ست او سبع سنوات، فهل المطلوب ان يبقى لبنان معلقاً على صليب التوتير والتهديد والخوف والشلل شبه الدائم الذي يسيطر اليوم على مجمل الحركة الاقتصادية في البلاد، طول هذه الفترة ؟
كل فريق سياسي يرى لبنان ويريده على صورته ومثاله، وهذا حق من حقوق مطلق فريق، ولكن بشرط ان تتم هاتان الرؤية والرغبة ضمن الاطر الديموقراطية الشرعية القانونية، اي عبر المؤسسات الرسمية، مثل مجلس النواب والحكومة ورئاسة الجمهورية، ومن خلال الارادة الشعبية اي الانتخابات النيابية والبلدية والنقابية وخلاف ذلك، وليس عن طريق الترهيب والعنف والقوة، وهي اساليب قد تنجح ولكن لا تدوم، وستصيب اول من تصيب، اصحابها، والقائمين بها، وصفحات التاريخ سجل لا يموت، والعودة اليه ممكنة في اي وقت.
على ما يبدو، ليس وحده اللواء جميل السيّد الذي يريد ان يأخذ ما يظنه حقه، بيده.