ويسأل جعجع العونيّين: «لماذا الفرقة ولماذا البُعد؟»، رافعاً في وجههم «الكتاب البرتقالي: الطريق الآخر»، برنامجهم لانتخابات عام 2005… تماماً كما سأل ميشال عون القواتيين السؤال نفسه عام 1989، رافعاً كتيّب أنطوان نجم: «نحن والقضية»… والمرحلتان كانتا مفصليّتين لجماعة الرجلين ولبلدهما. واحدة انتهت بدخول الجيش السوري، وثانية بدأت بخروجه…
وإذا كانت المرحلة الأولى قد شُرّحَت كثيراً، فإن الثانية لا تزال شبه عذراء من الكتابة والتحليل والتأريخ. كان جعجع ـــــ ودائماً عبر خيط قطنه ـــــ قد ربط مع المشروع السوري في شكل كامل منذ النصف الثاني من عام 2003. يومها صار أحد الإعلاميين من أصدقاء سوريا، صلةَ الوصل الأساسية، إضافةً إلى أحد المحامين المنتقلين إلى حضانة غازي كنعان المباشرة. كان المشروع بسيطاً: أن يوالي جعجع التركيبة السورية، وأن يمشي بالتجديد لإميل لحود، في مقابل البحث في ملفّه، مع ملفات الولاية الجديدة. هكذا رتّب قدّاس 7 أيلول، بالتعاون مع السلطة، وألقى «خيط القطن» كلمة خلت من أي إشارة سلبية إلى سوريا، ولا إلى تركيبتها في لبنان. يومها اعترف «خيط القطن» لنصير الأسعد على صفحات «المستقبل» بأنه «نقل إلينا ارتياح سوريا إلى مهرجان 7 أيلول، لجهة اعتدال الكلمة التي ألقيتها». وأضاف الأسعد: «كأن وعداً سلطوياً أعطي لها، أو كأنها تضبط ساعتها على إيقاع هذا الوعد». ومؤكداً أيضاً أن «خيط القطن» لم ينفِ ذلك، معترفاً بوضوح أنه «في زمن الاستحقاقات نوعد».
وتتابعت فصول المخطط. جاء جورج حاوي وسيطاً بين خيط قطن جعجع ورستم غزالة، وخرج مصرّحاً بأنه تلقّى «الدعم لمسعاه». إلى أن تكرّس في الانتخابات البلدية عام 2004، مناهضةً لكل زعيم ماروني مناوئ لإميل لحود، من القبيات إلى جبيل وجونية، مروراً بتنورين وزوق مكايل حتى قرطبا… مع الاعتذار من ذكر الأسماء التي صار جلّها اليوم في غير موقع.
إلى أن جاء زلزال 14 شباط. قبله وقف خيط القطن الجعجعي ضد قانون استعادة السيادة اللبنانية، وضد القرار 1559. حتى إنه هدّد عبر المذياع بسحب «رؤوسه» من أمام المتحف في 22 تشرين الثاني عام 2004، إذا ما ذكر القرار الدولي «المشؤوم»…
مات الحريري فجأة، فأُربك جعجع، حتى إنه تأخر في تقديم التعزية ثلاثة أيام، قبل أن تتحرك قاطرة «المومنتوم» الأميركي في اتجاه خيط قطنه. قبل أيام قليلة من 14 شباط، كان أحد نوابه الحاليين يؤكد أن القرار 1559 سيكون مثل القرار 425، وسينام ربع قرن على الأقل، في ظل الحكم السوري الكامل للبنان. بعد أيام بدأ التكيّف الجديد وإعادة التموضع على خطى وليد جنبلاط و«قاطرة قرنة شهوان» الملتحقة حديثاً بلقاء البريستول.
التحق جعجع بالتحالف الرباعي. تمسك بقانون غازي كنعان، حتى إنه أبلغ بكركي ذلك عبر خيط القطن نفسه. كان رفاقه لا يزالون في الساحة معتصمين. أمَرَهم بإنهاء تحرّكهم. اعترض البعض، فصاروا في الظلمة البرّانية، كما كل مَن اعترض على المشروع السوري ـــــ القواتي منذ عامين مضيا.
في تلك الفترة كان عون يستعد للعودة، فسارعوا إلى بكركي للتحريض عليه. قيل للبطريرك حرفياً: «إنه آتٍ لسحقك وسحقنا»، فيما في الجهة المقابلة كانت الاصطفافات السنية والشيعية والدرزية قد اكتملت وأغلقت ساحاتها.
عند هذا الحد، صعد إلى جعجع أحد الأشخاص في 4 أيار، قبل أربعة أيام من زيارة عون له في زنزانته الظالمة جداً. حاول أن يشرح له المشهدين: إمّا أن تلتحق بالحريرية السياسية فتعطيها 71 نائباً ويسقط التوازن الداخلي وتذهب إلى التحوّل أداة أميركية في حروب إقليمية، وإمّا أن تتفاهم مع عون، فيقوم التوازن وتنفتح أبواب التفاهم… أما الأميركيون، فقبل أيام كان فيلتمان يهزأ منك، ومن خيط قطنك أمام فلان وعلتان في منزل الشيخ…
قال له جعجع: «تأخّرنا على خيار كهذا. أنا راكب على الخط الطويل العريض الممتد في كل المنطقة… لماذا لم يطرح عون الأمر قبل الآن؟». أجابه الزائر: بل طرحه عليك قبل 7 أشهر، وأرسل إليك جبران باسيل وآلان عون في تشرين الثاني لذلك…
فساد الصمت، وسقطت الفرصة التي لن تتكرّر…
بعد انتخابات 2005، تبدّلت كل الموازين. انكفأت واشنطن. استوَت دمشق. تهوّرت بيروت حتى الجنون، فكان لا بد من قراءة جديدة لكل الواقع. قراءة سمحت باستباق تطورات الأعوام المقبلة، فيما البعض لا يزال يقرأ تذرّعاً في الكتب القديمة، ويتحسّر ـــــ كما دوماً ـــــ على أيام أضاع فرصها…