#adsense

النرجسية وشغف الاستئصال

حجم الخط

بين التوقف الدراماتيكي للتفاوض المباشر بين الإسرائيليين والفلسطينيين بفعل تجدد الاستيطان الإسرائيلي في المناطق المحتلة، وهو ما كان متوقعاً بقوة، وما تضجّ به الساحة الشرق أوسطية من تطورات متسارعة على أكثر من مستوى وفي غير بقعة من الإقليم، على خلفية صراع المصالح والأدوار الاستراتيجية، سواء في المشهد العراقي، أو الإيراني، أو التركي، أو السوري أو الخليجي، تنبئ كل المؤشرات بأن الاضطرابات الحاصلة تنذر بالانزلاق نحو مزيد من التأزم السياسي، والتصعيد الأمني، والانقسام الطائفي.

في لبنان، المشهد مختلف، لا لكونه أكثر تفاؤلاً، بل لكونه فاقع السوريالية. ففي سياق الحرب المفتوحة على المحكمة الدولية يجري تقديم ما يسمى "شهود الزور" على الموضوع الأساسي وهو جرائم الاغتيال الموصوفة التي استهدفت قيادات ورموزاً وأعلاماً، ويطلب من اللبنانيين فوق كل ذلك، أن ينظروا بالعين الحولاء إلى هذه المسألة.

حتى الآن لا أحد يتهم حزباً أو طرفاً أو جهة بجرائم الاغتيال، أو في الحدّ الأدنى تُجمع الأطراف على ضرورة عدم التسرع وانتظار ما ستظهره التحقيقات بمهنية وحيادية، لكن من غير المفهوم كيف يلجأ طرف إلى تقديم نفسه بصورة المرتكب، ويتصرف على هذا الأساس كمن يحاول الافلات عن طريق التهويل والمبالغة بالتهديد بالقتل الجماعي والاستئصال والقمع، وكل ما تجود به اللغة البرلمانية المستحدثة من مفردات لا تراعي أصول الخطاب السياسي، ولا محاذير انزلاقات اللسان، ولا مترتبات الشعور المتعاظم بالتضخم حدّ الانتفاخ وعدم الإحساس بالمسؤولية، وسبقها إليه الجنرال رئيس التكتل النيابي، والجنرال الغاضب الآخر.

ولأسباب عديدة لا يبدو السؤال "اين هي الدولة بالمعنى المؤسساتي – مما يجري؟"، منطقياً.. لكن الصمت الإقليمي المريب على التهديدات الداخلية المتواترة والمتوالية التي تترك معظم اللبنانيين أسرى القلق على المصير وتتسبب بأضرار فادحة في الاقتصاد والانماء وتعوق عجلة التطور، محل نظر وتساؤل كبيرين، لا يضاهي أبداً ما أثارته المواقف التي أطلقها مسؤولون كبار تقلل من خطورة ما يشهده البلد، ممارسات ومواقف وتتلمس لها الأعذار المخففة.

خلاصة القول، في السياسة لا التفسير العلمي، إن الجميع في لبنان يعرفون أن إسقاط المحكمة الدولية ليس قرار اللبنانيين. هذا على افتراض أن اللبنانيين أجمعوا على التنكر للعدالة. ويعرف هؤلاء أيضاً أن شأن المحكمة، بما هي آلية قانونية للعدالة، أكبر من التهويل والابتزاز والترهيب والوعيد والتلويح بالقوة والاستقواء بالسلاح على حيوات الناس وأعصابهم والازدراء بعقولهم ومصالحهم وقناعاتهم.

ولأن هؤلاء جميعاً والمهولون تحديداً- يعرفون كل ذلك، يقود الافتراض المنطقي لتحليل الأحداث التي يشهدها لبنان في الأشهر الثلاثة الأخيرة إلى تفسير من خارج السياق السياسي للهجمة القائمة. فالبعض يقول إنه انقلاب، ليس على مفاهيم الشراكة وأصول العمل الديموقراطي وإدارة الشأن العام وادبيات الخطاب السياسي فحسب، بل على تسوية الدوحة، وعلى القمة الثلاثية وقبل كل ذلك وبعده على الإحساس الوطني وموقع البلد وصورته. انقلاب يتذرع الترهيب والوعيد والتلويح بالسلاح والفرز الطائفي وفاشية المنطق التخويني، ويتوسل تفكيك المؤسسات والازدراء بالنظام والتعالي على المواطنين.. توصلاً لوضع اليد على السلطة فعلياً بعد استنزافها واضعافها وتجويفها بالتسلل على مدى سنوات.

إذاً، ما نحن في صدده، ليس مسألة رأي معارض يتعلق بالحراك السياسي وحرية التعبير عن الرأي، إنه حالة عياديّة خطيرة، تستخدم الغرضية أو التخابث أو الديماغوجيا الشعاراتية توصلاً إلى سحق المخالف.

فبحسب الدراسات النفسية المعاصرة والطب النفسي، فإن الأمراض العقلية متنوعة: منها ما هو عضوي كالذهان العضوي Organic Psychosis، مثل: الشلل الجنوني العام General Paralysis ، والذهان الكحولي (الجنون الكحولي) Alcoholic Psychosis، وذهان الشيخوخة (جنون الشيخوخة) Senile Psychosis. ومنها ما هو وظيفي كالذهان الوظيفي Functional Psychosis، مثل: جنون الفصام أو السكيزوفرينيا Schizophrenia، واضطراب المزاج الدوري (الجنون الدوري) Cyclothymic Disoder، وجنون الهذاء الزوري (البارانويا)Paranoia ، وهو موضع الاهتمام.

البارانويا، كلمة لاتينية الأصل تتألف من مقطعين: بارا، وهو: الانحراف، ونويا، وهو: العقل، والمقصود بها المرض العقلي الذي يسمى: جنون العظمة، وجنون الاضطهاد، وجنون الارتياب، ويعرف في اللغة العربية باسم: مرض الزور، أو الهذاء الزوري، الذي يتميز بأوهام ثابتة ومنظمة، ومن أنواعه: جنون العظمة، وحب الذات بعاطفة غير صادقة، وهو ما يعرف بـ (النرجسية).

والنرجسية، بحسب ما جاء في الميتولوجيا الاغريقية، تنسب إلى "نرسيس" ذلك الطفل ساحر الجمال ابن إحدى الحوريات الذي تنبأ له "تريزياس" العراف بأنه سيعيش طويلاً شرط أن لا يرى انعكاس وجهه في المرآة. وكان أن فشلت إحدى الحوريات بالتقرب منه، فسعت لخداعه واستقدمته ليشرب من بحيرة، وما إن أبصر سحر وجهه الجميل (انعكاس صورته) على صفحة الماء حتى شدّه الغرور إلى المضي في اللجّة طلباً للوصول إلى ذلك الجمال الأخّاذ.. وكان أن ساقه سعيه هذا إلى الغرق، فاستحال زهرة (النرجس) التي باتت تمثل رمزاً لصدى الحب من غير عاطفة أو دلالة على العاطفة غير الصادقة.

المفارقة أن علماء النفس لا يعتبرون "النرجسية" بحدّ ذاتها، مرضاً ولا حتى اضطراباً نفسياً، بل انها في حال بقيت محدودة تعتبر احدى وسائل الحفاظ على الذات وأحد أهم دوافع الإبداع الإنساني، ويذهب آخرون إلى أن كبار المبدعين كانوا يحملون شيئاً من النرجسية. لكن الأشخاص المصابين باضطراب الشخصية النرجسية يتميزون بشعورهم القوي بالأهمية والعظمة وفرط القوة والسعي للسيطرة، وهذا الاحساس لا يمكن اشباعه عادة بمعزل عن الآخرين الذين يصبحون أدوات لاعطائهم حقهم بالتعظيم والتنزيه والتبجيل، لأن الناس جميعاً، عند النرجسي، شخصاً أو مجموعة، هم أقل قدراً وقيمة وصدقاً.

وبعيداً عن التشخيص العلمي للأسباب النفسية لهذه الحالة، فالنرجسي ذكي ومميز وعلمي ويستطيع حبك أفكاره أو تصرفاته بشكل عبقري، حتى ليكاد يعتبر أن الكون يدور حوله فيبالغ في تضخيم انجازاته، لكنه في الوقت نفسه يعاني عدم قدرته على اشباع رغباته في السلطة والتلذذ بالأذى واستضعاف من يعتبره أقل حيلة منه، بل وفي التذلل لمن يعتبره أقوى منه وأكثر سيطرة. النرجسي، فرداً أم مجموعة، لا يعرف قول شكراً على معروف أسديَ إليه، ولا قول عفواً على خطأ اقترفه بحق الآخرين لأنه يحمل شعوراً دفيناً بالدونية تجاه كل شيء والعطش إلى سماع ألقاب التعظيم والطاعة العمياء من الغير، وصولاً إلى أعلى مراتب النرجسية وهو معاداة المجتمع بحيث يسعى من خلال الشعور بالفوقية الى أذية الآخرين، لمجرد أذيتهم لا أكثر.

وبحسب تلميذ فرويد، كارل غوستاف يونغ، رائد علم النفس التحليلي الذي حلل شخصية الزعماء النازيين، فإن جزءاً بسيطاً من "البسيكوبات" موجود في المصحات العقلية، أما الغالبية العظمى فهي منتشرة بيننا وتحتل عادة مواقع قيادية ومتقدمة في المجتمع بفعل سحرها وقدرتها على التأثير، لأنه منوم موهوب وقادر على الايقاع بالآخرين من خلال مخاوفهم وعبر استخدام الأكاذيب والدعاية كأدوات للسيطرة على العقول.

للمرة الواحدة بعد الألف، يدرك اللبنانيون أن ملاذهم في الدولة وحدها، وهم بحاجة إليها وإلى العدالة والحقيقة لتستقيم أمورهم، وتصان حياتهم، وهم جميعاً يتطلعون إلى إحقاق العدالة وإنزال القصاص، لا ثأراً ولا انتقاماً. فرفيق الحريري ومعه آخرون لم يقضوا بحوادث عادية بل اغتيلوا في جرائم سياسية ووطنية موصوفة ارتُكبت في حقّهم وحقّ لبنان، وهدّدت وطنهم وحياتهم وحرياتهم وأمنهم، وأكثر من ذلك، المُغتالون كما استهدفوا بأشخاصهم، استُهدفت بهم ومعهم فئات كبيرة من اللبنانيين في شرفها ودورها وموقعها، ولا يمكن تجاوز كل ذلك أو انهاؤه بالإرعاب والتهديد والتلويح بالفتنة بل بالتبصر والتواضع والنظر إلى المستقبل بروح المسؤولية والشراكة ووعي المخاطر.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل