
.jpg)
.jpg)
.jpg)
.jpg)

كتب أنطوان مراد في “المسيرة” العدد ـ 1701
فؤاد شهاب (23/9/1958- 22/9/1964)
ثورة في الإدارة توازن في الحكم وانقلاب على الإنقلاب (2)
بعيد إعلان وفاته بنوبة قلبية في الخامس والعشرين من نيسان 1973، تقاطر محبّوه والمعزّون إلى منزله في منطقة غدير في مدينة جونيه، والمواجه مباشرة للمدرسة المركزية للرهبان اللبنانيين، التي اشتروها من الأخوة المريميين في أواسط الستينات، وكانت تعرف بالفرير، وفيها تلقى فؤاد شهاب دروسه من المرحلة الابتدائية إلى الثانوية.
شكلت وفاة الأمير اللواء المبكرة، وكان يبدو بصحة جيدة، صدمة للبنانيين ولاسيما لمحبيه وحتى لبعض أنصار الحلف الثلاثي الذي خاصم النهج الشهابي، وانتصر عليه بانتخاب سليمان فرنجية رئيسا للجمهورية بعدما تقدم بصوت واحد على مرشح النهج الياس سركيس، وذلك على أثر انتصار أول في الانتخابات النيابية عام 1968
عندما تقلد منصب رئيس الجمهورية، لم ينس أنه كان قائد الجيش ومؤسسه، وكما حال خلال الـ 15 سنة التي قضاها في قيادته دون تدخل السياسيين في شؤون الجيش، رسم رئيسا الحدود الفاصلة بين الجيش وبين السياسة.
لم تكن مهمته سهلة لأنه في موقع تجاذب، فانتخابه رئيسا أدخل البهجة لقلوب العسكريين وشعروا وكأنهم وصلوا إلى السلطة، وفي نفس الوقت خشي السياسيون أن يؤدي انتخابه إلى تنامي تدخل العسكر في السياسة وأن يصبحوا شركاء في السلطة؛ على غرار تقاليد المنطقة. من هنا حرصه على حفظ التوازن الدقيق بين المؤسستين بشكل تكامل ودون تعارض؛ بما يحمي الديمقراطية.
لكن الظروف هي التي تحكمت في الدور الذي عُرف للمكتب الثاني وذلك بعد محاولة الإنقلاب العام 1961 عندما قدمت فرقة عسكرية من صور بقيادة النقيب فؤاد عوض وحاصرت وزارة الدفاع قرب المتحف الوطني في بيروت، وطلبت من الموجودين فيها التسليم (في تقليد لموضة الانقلابات السائدة). فشل الانقلاب الذي لم يكن أحدٌ على علم بتفاصيله وبموعده؛ الأمر الذي اعتبره شهاب خطأ كبيرا وارتأى أنه كان يتوجب عليهم أن يعرفوا بما يجري. حينها أعطاهم المجال كي يتعاطوا بالسياسة ليفهموا اتجاهات البلد وليتعاطوا بالشأن العام. برايه، تقويتهم كانت ضرورة لمنع الاضطرابات والانقلابات وحفظ سلامة النظام الديمقراطي.
لكنهم بالطبع تجاوزوا حدودهم؛ وكان الفرق بين الضابط الذي في الثكنة وبينهم، أن الأول لديه منزل بسيط وعادي، بينما هم لديهم منازل مع أثاث فاخر، ويحضرون الحفلات والسهرات، التي لم تكن مسموحة من قبل.
مع ذلك بقي المكتب الثاني منضبطا إلى حدود ما في عهد فؤاد شهاب. لكن عندما جاء الرئيس شارل حلو وازداد نشاط الفصائل الفلسطينية المسلحة توسعت مهمات المكتب الثاني كثيرا وأثارت مداخلاته اعتراضات كثيرة.
لعل الكاتب باسم الجسر وهو القريب من الرئيس فؤاد شهاب أفضل من كتب عنه ووثق الكثير من الوقائع الخاصة به. ولا بأس من التوقف عند أبرز منجزات الرئيس الراحل على صعيد بناء المؤسسات وتعزيز مفهوم الإصلاح بحسب الجسر.
تسلم الرئيس فؤاد شهاب زمام السلطة بعدما اهتزت الدولة بفعل الأحداث الدامية التيزعزعت ادارتها وشلت فعالية اجهزتها،وعطلت التعاون ما بين موظفيها واصابت ولاءهم لها.
وكان اول ما قام به الرئيس شهاب فيهذا المجال، انشاء لجنة مركزية للاصلاح الاداري، مقسمة الى سبع لجان كبرى وستين لجنة فرعية، ضمت عدداً كبيرآ ًمن الشخصيات ذات الخبرة والاختصاص، مهمتها دراسة كل اوضاع الادارات الحكومية اللبنانية ووضع الاقتراحات لاصلاحها وتحديثها. وطلب الى هذه اللجنة انجاز اعمالها في ستة اشهر، وصدر، تباعا، استناداً الى مقترحاتها، ستون قانونا، بمراسيم اشتراعية، تتعلق بالاصلاح الاداري وتنظيم دوائر الدولة. اما أهم الاصلاحات الادارية فيالسنوات الأولى من العهد الشهابي فكانت التالية:
– اللامركزية واللاحصرية والبلديات
وسع المرسوم الاشتراعي ٢١١/(٢١/٦/٩٥٩١)، صلاحيات المحافظين فيبت المعاملات الادارية وفيادارة شؤون المحافظات. ثم كان قانون البلديات الجديد الذيانشئت بموجبه ٠٨٣ بلدية جديدة فيلبنان. كما وضع تصميم لبناء مدينة حكومية، على ارض مطار بئر حسن القديم، ولكن المشروع لم يُنفّذ.
وتناول الاصلاح الاداريشروط تعيين الموظفين،والزامية حيازة موظفيالفئات العليا للشهادة الجامعية.
– مجلس الخدمة المدنية والتفتيش المركزي
القانون الاصلاحيالمهم كان ذاك الذيانشأ مجلس الخدمة المدنية وجهاز التفتيش المركزي، التابعين لرئاسة الحكومة. غاية الاول الاشراف على شؤون التوظيف والترقيات والمناقلات، وكل مايتعلق بموظفي الدولة، من اجل ابعاد تدخل السياسيين فيالتوظيف، وحصره ضمن شروط الكفاءة او الامتحان، كما الحق بالمجلس معهداً لتدريب الموظفين. وغنيعن القول ان انشاء مجلس الخدمة المدنية كان خطوة هامة لتحرير الادارة من المحسوبية الحزبية والمزايدات الطائفية وتوفير شروط المساواة والتكافؤ بين الموظفين.
اما التفتيش المركزي فكانت الغاية من انشائه مراقبة حسن عمل الموظفين واقتراح الطرق والوسائل التي تحسن اداءهم وتحسين انتاج الادارات العامة.
– الاصلاح الاداري والمؤسسات الحديثة للدولة
شملت المراسيم الاشتراعية انشاء مجالس مختصة عديدة، واعادة تنظيم ادارات ومجالس قائمة، وطالت قطاعات ادارية واخرى ذات اختصاصات متعددة فيحقول الادارة والتربية والتعليم والصحة وقوى الامن والزراعة والصناعة والسياحة. منها ما كانتغايته التحديث والتأهيل ومنها ما كان له علاقة بمشاريع التنمية والعدالة الاجتماعية. وبلغعدد هذه المراسيم الخمسمائة تقريباً.
– الضمان الاجتماعي وقانون النقد
اضافة الى مجلس الخدمة المدنية والتفتيش المركزي كان انشاء الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي من اهم المؤسسات التيانشئت في عهد الرئيس شهاب بعد سنوات من انشاء مصلحة الانعاش الاجتماعي. فقبل انشاء صندوق التعويضات والصحة ونهاية الخدمة، للاجراء والمستخدمين التي افاد من انشائه مئات الالوف من المواطنين وعائلاتهم، كانت حقوق العمال والاجراء والمستخدمين محصورة في قانون العمل الذي كانيرعى بعض هذه الحقوق. اما بتطبيق نظام الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي فقد انتقلت حقوق الاجراء والمستخدمين الى مرحلة جديدة لم يكن يعرفها لبنان من قبل.
– قانون النقد والتسليف اما النقد اللبناني فكان حتى العام ٣٦٩١، ايبعد عشرين عاما من بلوغ لبنان استقلاله، غير موجود بالفعل. كما كان اصدارالعملة اللبنانية والسهر على قيمتها، يتولاه» مصرف لبنان وسوريا» الذي انشىء فيعهد الانتداب. وكان الفضل لفؤاد شهاب في وضع اول قانون للنقد والتسليف بعد استقلال لبنان، والذي انشىء بموجبه مصرف لبنان، ايالبنك المركزي، الذي تناط به مسؤولية النقد وقيمته والسيولة ومراقبة المصارف وغيرها من الصلاحيات والمسؤوليات المعتمدة فيدول العالم. ولقد بلغ حرص الرئيس شهاب على مباشرة تطبيق هذا القانون بسرعة،انه اشرف شخصيا على متابعة اعمال بناء مصرف لبنان، الذي ما زال قائماً فيمحلة الصنائع، وعلى انجازه في اقل من سنة ونصف السنة.
– المشروع الاخضر
كانت مساحة الاراضيالقابلة للزراعة تبلغ ٠٠٠٠٧٢ هكتار منها٠٠٠٠٨ فقط تصلها المياه. وقد خص برنامج المشاريع الكبرى الري بستين مليون ليرة والعام ١٦٩١، لري مساحات تقدر بخمسة واربعين الف هكتار. لا سيما فيمنطقة البقاع. كما استكملت الاشغال على نهر الليطاني، فأنشئت» المصلحة الوطنية لنهر الليطاني»، وبني سد «ألبير نقاش»، في القرعون، الذي يستوعب مئتي مليون متر مكعب وينتج طاقة كبيرة من الكهرباء.
فيالعام ٣٦٩١ أنشئ» المشروع الاخضر»، وهو مصلحة مستقلة وبميزانية خاصة،مهمتها تقديم الارشادات الفنية للمزارعين، وتقديم القروض الطويلة الامدلهم والاشتال ومقاومة امتداد المساحات الجردية فيالجبال، وتحريجها. وجاءت قروض المشروع لتكمل القروض التي كان المصرف الزراعيوالصناعيوالعقاري يقدمها.
– التنظيم المدني
وكان من اهم القوانين التنظيمية التي سنت، والمؤسسات التنفيذية التي انشئت فيالعهد الشهابي، قانون التنظيم المدني الجديد وقانون حماية الشواطئ وقانون التخطيط العمراني لضواحي بيروت، وإنشاء مجلس تنفيذ المشاريع الكبرى ومجلس تنفيذ المشاريع الكبرى في بيروت. ولقد اخذ البعض على هذه القوانين التنظيمية المدنية، انها جمدت استثمار الاراضي والشواطىء التي اخضعت للتخطيط والتنظيم او قُيِّدَ استثمارها بشروط عمرانية معينة. وعلى انشاء مجالس تنفيذ المشاريع المستقلة،انها حلت محل وزارة الاشغال العامة.
بطبيعة الحال لاقت كل هذه القوانين والمشاريع والمحاولات رضى النقابات والعمال. الا انها اصطدمت بمعارضة او تحفظ بعض ارباب العمل وكبار رجال الأعمال.
أنزل الجيش… لم يُنزل الجيش!
حتى اليوم ما زال موضوع توريط الجيش في الأحداث الداخلية يتكرر ويستعر جدلا، وقد سعى فؤاد شهاب قائدا للجيش إلى إرساء توازن بين واجب الجيش في حماية المؤسسات والانتظام العام وبين التدخل بخلفية دعم فئة على حساب أخرى. وأكثر ما تجلت هذه المعادلة في الأحداث التي عرفت بثورة 1958 في وجه الرئيس كميل شمعون.
فقد رفض قائد الجيش ، وبموافقة ضباط القيادة، أو معظمهم، إنزال الجيش الى الشوارع والأحياء المعارضة العاصية، لإزالة المتاريس وضرب الثائرين أو القبض عليهم واعتقال الزعماء السياسيين المعارضين، وذلك على رغم طلب رئيس الجمهورية والحكومة ذلك. وكانت حجة القيادة رفض زج الجيش فيالنزاعات السياسية، وتعريضه لخطر الإنقسام الطائفي.
وفي المقابل، إتخذت قيادة الجيش كل التدابير الأمنية الوقائية، التي تحول دون نجاح أنصار زعماء المعارضة المسلحين فيالوصول الى القصر الجمهوري في القنطاري وسراي الحكومة والمراكز الحكومية والمؤسسات العامة، كشركة الكهرباء والماء والمطار والمرفأ، أو قطع الطرق الرئيسية، أو عبور الأسلحة والمسلحين من المناطق العاصية، الإسلامية عموما، الى المناطق المسيحية غير العاصية، وقد إلتزم الجيش تطبيق هذه التدابير بدقة وحزم.
(انتهى)
إقرأ أيضاً: فؤاد شهاب… ثورة في الإدارة توازن في الحكم وانقلاب على الإنقلاب -1
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]