#adsense

تهديد جيوستراتيجي إيراني للعرب

حجم الخط

تهديد جيوستراتيجي إيراني للعرب

 عبدالعظيم محمود حنفي

من الناحية الستراتيجية, تتبادل الدول العربية المصالح والتهديدات مع دول الجوار الجغرافي بحيث تؤدي علاقات الجوار, إما إلى خلق مصادر للتهديد, أو تكون مصدرا لتعزيز الأمن, علاوة على أن دول الشرق الأوسط, العربية وغير العربية, تشكل معا منظومة ستراتيجية واحدة, أي أن هناك نمطا جغرافيا ستراتيجيا معينا من العلاقات فيما بين الطرفين, مع وجود قابلية عالية في هذا النمط للتغيير حسب التحولات التي تطرأ على علاقات التعاون أو الصراع, والتوافق أو التناقض بين الجانبين في جميع المجالات, بما يؤدى في المحصلة النهائية الى بروز توافق أو تناقض ستراتيجي عام بين هذه المجموعة من الدول, أو مزيج من التوافق والتناقض بينها بصورة موقتة, حسب التبدل في المصالح والتهديدات بين الجانبين. وثمة مؤشرات تؤكد أن هناك ما يصل الى حد التناقض بين العرب وإيران, وان السياسات الايرانية أضحت تزعزع الأمن الاقليمى العربي وأن نطاق ذلك التناقض يمكن أن يتسع ليؤثر بشدة على أوضاع المنطقة, ما لم يصل الطرفان إلى نوع من الوفاق.ومرجعية ذلك التناقض قد تكون تاريخية, حيث إن الفكرة الرئيسية التاريخية هي أن الفرس لديهم إيمان جازم بأنهم إن لم يتمددوا أو على الأقل يهيمنوا على محيطهم العربي فان ذلك يعني انكماشهم رأينا ذلك في إيران الصفوية والقاجارية والبهلوية ورأيناها في إيران الخومينية إسلامية بل إن الأمر امتد في هذه الأخيرة من محاولة الهيمنة التي يسمونها الآن القوامة على الخليج الى القوامة على المشرق العربي بامتداداته. وهى مذهبية تتعلق بجمهورية إسلامية حاولت من قبل تصدير ثورتها, وعادت مرة أخرى إلى تلك السياسة بدرجة اكبر واخطر وعندما حاول الرئيس السابق أن يقول بعدم حكمة تصدير الثورة وأنها ليست من تعاليم الإمام الخميني كاد الرجل ان يتهم بالخيانة العظمى. وهي يقينا جيوستراتيجية تتعلق بأمن دول عربية تهدده واحدة من دول الجوار التي تتصور نفسها حاليا أنها القوة الاقليمية العظمى التي تتصور حاليا أنها القوة الاقليمية العظمى حيث الإمام (المهدي) يدير العالم وترى قيادته يده المدبرة في شؤون البلاد جميعا, وأيا كانت المرجعية, فإن هناك مشكلة خطيرة بين العرب وإيران.

وهناك عدد من العوامل الذي أعطى إيران فرصاً لبسط قوتها ونفوذها على نحو لم تشهده طوال فترة حكم النظام الإسلامي أو حتى عبر تاريخها الحديث:من أهمها ارتفاع أسعار النفط مع بدايات القرن الواحد والعشرين قد عزز من موقف إيران المالي, كما أدت تلبيتها لاحتياجات سورية من النفط بأسعار مخفضة ودعمها ديبلوماسياً إلى أن أصبحت حليف سورية الوحيد.كما أدى الغزو الاميركي للعراق والاطاحة بصدام حسين إلى تخليصها من التهديد الذي كان يمثله, حيث كان الرأي الشائع لدى الإدارة الأميركية قبل بداية الحرب على العراق في مارس 2003 هو إننا إذا حصلنا على العراق بطريقة صحيحة, فلن نكون قلقين بشأن إيران وبعبارة أخرى, إذا أثبتت القوة العسكرية قدرتها على إزالة نظام صدام حسين واستبداله بحكومة موالية مستقرة تدعمها قواعد أميركية ثابتة, ستذعن إيران للسياسة الأميركية في المنطقة, مسببة اضطراباً ضئيلاً. والواقع أنه لم يتم الحصول على العراق بطريقة صحيحة, وأن ما حدث هو اختراق ايراني كبير للعراق.

وأخيراً يأتي ذلك العامل المتمثل في الرئيس محمود أحمدي نجاد الذي يمثل خط السياسة الإيرانية الأكثر عدوانية, والذي تم انتخابه بعد سقوط الاصلاحيين. وهو لديه زمرته الخاصة به. فنجاد ابن الحرس الثوري الايراني المتعدد النفوذ حتى إن بعض المحللين يصفونه بأنه دولة داخل الدولة وهو يحرص على تعيين المقربين منه في المواقع المهمة, لأنه يحاول أن يزيد من شعبيته ويؤمن بالرجوع لأفكار الخميني الأولى.

تصاعدت المشكلة مع طهران حاليا لأن الخطر الإيراني, لا يهدد مجرد مصالح أو أمن الدول بالمعنى المفهوم, وإنما كيان أو بقاء الدول نفسها, فإيران تقوم بالاستيلاء على العراق, وتدعم نفوذها داخل بعض الدول العربية مثل لبنان استنادا على قوى سياسية مرتبطة بها وهو حزب الله اللبناني الذي اختلف مع الأغلبية النيابية فأراد فرض رأيه عليها بالقوة ومن سمع خطاب حسن نصر الله شعر بنعرة الغرور والتعالي استنادا للسلاح الايراني والأموال الإيرانية, كانت حرب حزب الله على بيروت هجمة شرسة شملت استهداف وسائل الإعلام. وعمليات الخطف. وتصفية المخطوفين. وإطلاق النار على الجنازات والتجمعات. واستهداف العابرين. واقتلاع المقرات الحزبية. وتطهير المناطق. وكسر الإرادات.وبهدلة البيوتات البيروتية لإذلالها. وكل ذلك بتخطيط وموافقة إيرانية , وهو أمر كاد أن يشابه التحريض على السلطة الفلسطينية الشرعية وتشجيع استيلاء حماس على السلطة في غزة بتحريض إيراني وبسلاح ايراني وبتمويل ايراني, وتعتبر طهران أن قدرتها على إزعاج الدول المجاورة لها داخليا ورقة قوة, وتسعى لامتلاك أسلحة نووية مقلقة بالنسبة لدول المنطقة, وتؤيد حركات متطرفة وتشيع روح التمرد الانفصالية على الحكومات الشرعية بل وصلت الحال بها الى حد الإفتاء بأن مملكة البحرين جزء منها ولا تزال تحتل الجزر الإماراتية الثلاث وتطرح نفسها كقوة اقليمية عظمى, لديها تصور بشأن حالة الاقليم وانه يمكن التفاوض حوله مع الولايات المتحدة. وصور لها غرورها أنها تستطيع استخدام العرب كورقة مساومة مع الولايات المتحدة للوصول الى صفقة ستراتيجية كبرى على غرار صفقة واشنطن مع بكين العام 1975 التي تم الاعتراف على أثرها بالصين الشعبية

ودائما هناك أسس لكل ذلك, فهناك معلومات محددة حول المدى الذي وصلت إليه التأثيرات الإيرانية داخل العراق, وتصورات أخرى بشأن الاندفاع في تدعيم العلاقات الستراتيجية بين سورية وإيران, وبيانات حول قيام إيران بتطوير قدرات حزب الله في لبنان تعويضا له عن مغامرته العسكرية مع إسرائيل صيف 2006 ولكن هذه المرة نحو الأخ والشقيق والجار المواطن اللبناني في بيته ورزقه وأمنه,كما تم رصد إقامة علاقات مع قوى داخل اليمن, بما أدى إلى تمرد ضد الحكومة, كما كانت لدى الدول العربية تقديراتها بشأن النوايا النووية الإيرانية, والأهداف المتصورة للضربات في حالة حدوث حرب بينها وبين القوات الأميركية, وتصاعد صوت الطوائف الشيعية في المنطقة بطريقة غير معتادة, جاءت الردود العربية على الموجة الإيرانية مباشرة, فقد اتخذت شكلا رسميا ارتبط بتصريحات على أعلى المستويات, واستخدمت خلالها عبارات قوية لكي تصل الرسالة من دون لبس, فقد تحدث الملك عبد الله ملك الأردن عن الهلال الشيعي, وأثارت الكويت مسألة القلق بشأن القدرات النووية الإيرانية, وصدرت تصريحات واضحة محددة من وزير الخارجية السعودي سعود الفيصل حول تسليم الولايات المتحدة العراق لإيران وتحدث عن التورط الايراني في أحداث بيروت, وأشارت مصادر مصرية, بعد الاستيلاء على غزة أن حدود مصر أضحت مع إيران . فقد وضح أن دولا عربية رئيسية قد قررت أن تلفت الانتباه بشدة إلى أنها تراقب الموقف, وأن لديها تقديراتها بشأنه, وأنها لن تقف مكتوفة الأيدي .فالرسالة العربية هنا ذات كلمات واضحة وصريحة لا تحتمل معنيين ومواقف محددة لا تحتمل التأويل رغبة من الطرف العربي أن يبلغ مقصده من الرسالة, ومع كل ذلك فان الدول العربية الرئيسية ليست راغبة ولا تود خوض صراع مكشوف مع القوة الإيرانية, أو التي تحاول القفز عبر حدود المنطقة, ولكن إيران تخطت كل الحدود وهناك تفسيرات متعاطفة أو متواطئة مع الايراني تقرر أن ارتباطات تلك بواشنطن التي تخوض صراعا مع طهران هي الدافع خلف تلك المواقف, إلا أن تلك الدول ذاتها لديها مشكلات حقيقية مع الولايات المتحدة, وتحملها أحيانا مسؤولية وصول الوضع إلى ما وصل إليه.

إن الأوراق العربية ضد طهران كثيرة بأكثر مما تتصور طهران وعلى القادة الإيرانيين كبح جماح بعض قادة متطرفيهم للعبث في المنطقة العربية. فلدى الدول العربية أيضا قدرات من نوع ما في المجالات التي تهدد بها إيران امن العرب القومي.

المصدر:
السياسة الكويتية

خبر عاجل