عند رسم السيناريوات الممكنة الحدوث تبعا للواقع السياسي المأزوم الذي نعيشه، قد لا يتبادر الى الأذهان السيناريو الاصعب، لكنه يبقى أمرا وارد الحصول وإن انخفضت نسب تحققه.
لنفترض ان "حزب الله" استطاع الاطاحة بالحكومة الحالية تحت أي مسمى، وأتى بحكومة يشكلها على ما يشتهي. يكتب بيانها الوزاري وفيه رفض للمحكمة الدولية والتزام بعدم التعامل معها وتعهد بمنع تسليم أي لبناني لها مهما كانت الظروف. تنال هذه الحكومة ثقة مجلس النواب، وتمارس مهامها بشكل طبيعي.
قد يكون هذا أقصى ما يطمح اليه "حزب الله"، وإن حصل فإن ذلك ربما سيعادل فتح القدس بالنسبة له.
لكن ماذا لو خرجت المحكمة لتتهم فعليا أفرادا من "الحزب" بالضلوع في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، واستتباعا كل الجرائم السياسية اللاحقة؟ طبعا حسب ما هو مرسوم في البيان الوزاري، لبنان سيرفض القرار ولن يسلم أحدا، وستعتبر الحكومة انها في حل من اي ارتباط بالمحكمة.
ما الذي سيجري بعد ذلك؟ احتمالان، ثالثاهما مرّ.
الاول: الامم المتحدة ستتحرك بموجب الفصل السابع لتنفيذ حكم المحكمة التي تندرج تحت هذا البند، وهنا سيكون من الصعب التكهن بالعواقب على كل صعيد.
الثاني: ان القرار سيبقى حبرا على ورق ولن ينفذ منه شيء. لكن هل سيبقى كذلك في أذهان الناس؟ عند الرأي العام سيكون "حزب الله" عصابة مجرمة قتلت أهم رجالات لبنان ونخبة شبابه، ولو لم يكن ضالعا لذهب الى المحكمة وأثبت براءته، هذا ما سيقوله الناس.
وفي مثل هذه الحال، فإن أحدا لن يقدر على ضبط الشارع من اي طرف مهما كانت قدرة القيادة الحزبية، لأن المبادرة الفردية للانتقام والاندفاع سيكونان أعظم من اي قدرة على الضبط والتهدئة. ما يعني ان لا سعد الحريري ولا سواه سيتمكن من ضبط الشارع السني من التصرف بفردية وعلى مستويات مختلفة للانتقام ليس لاغتيال رفيق الحريري وحسب، بل لنزعة مذهبية قبلية عشائرية ستتملك الجميع.
وهذا ما سيقود الى الاحتمال الثالث المرّ وهو ان اشتعال شرارة الفتنة لن يكون مرهونا بقرار اتهامي او بحكومة تتعامل مع محكمة، لأنه سيكون مرتبطا بمدى تمكن الجمهور في الشارع من ضبط اعصابه وهذا ما ليس مضمونا. فما يقوم به "حزب الله" حاليا كاف لحقن الشارع بما يتطلب من تعبئة تكفي لإغراق البلاد في آتون حرب لا تنتهي.
إن الاطاحة بالحكومة، والامساك بزمام البلاد، وتنصل سعد الحريري أو السلطة اللبنانية الرسمية من التعاون مع المحكمة لن يقدم او يؤخر لأن هذه السلطة الدولية ستواصل عملها وستصدر حكمها سواء اعجب "حزب الله" ام لم يعجبه.
والواضح ان كل ما يقوم به حزب الله اليوم إنما يأتي في سياق تثبيت التهمة على نفسه، وهو إن أراد التخلص من الاتهام فعليه ان يقدم أدلة حسية تبيّن ان ثمة قاتلا آخر نفذ هذه الجريمة، وهذه الادلة لا يمكن ان تكون أشرطة كتلك التي عرضها أمينه العام إنما يجب ان ترقى الى مستوى يقنع محكمة دولية.
ليس هناك مجال للشك بأن سلوك "الحزب" ليس بوحي من الله أو بهداية منه، لأن هذا لا يخدم إلا الشياطين المتربصة بلبنان وتريد خرابه، فلماذا نستبعد ان يكون "حزب الله" مسكونا بالشياطين؟