#adsense

مهداة إلى الشعب اللبناني.. مذكرات القضاء… والقدر!

حجم الخط

ربما كان ما انتابنا بالأمس كشعب هو إحساس واحد "لَعَيَان"، وربما كانت الكلمة الأفضل والوحيدة للتعبير عمّا نشعر به تجاه ما يحدث – خصوصاً عندما تتقاطع المصالح الإقليمية لبعض الدول علينا – هي كلمة: "بدي راجع"!! ولو قيض للبنانيين بالأمس أن يتقيأوا جميعاً وفي اللحظة نفسها لأغرقوا كل هذه التركيبة المزيفة، والمسماة – حشا قدر القارئ "دولة" – لأغرقناهم جميعاً ليكونوا آية وعبرة كما غرق فرعون وجنوده، من دون حاجة إلى معجزة فرق البحر أو خسف الأرض بكل مطأطئي ودافني رؤوسهم في الرمال ويكذبون علينا!!

ومادمنا نصرّ على الحقيقة ومعرفتها، ونصرّ على العدالة وإقامتها، فلابدّ لنا من أن أعترف أنني وككل مواطن لبناني، خامرني إحساس باليأس من لبنان ودولته ورئاساته، وإحباط شديد من الرئاسة ورئيسها، والحكومة ورئيسها، أما الرئاسة الثانية فأمرها محسوم، فهي "تتلطى" بالصمت منتظرة دورها لدخول خشبة المسرح اللبناني لتعيد تمثيل نفس الدور الذي انتدبت لأدائه منذ "6 شباط 1984" ومازالت تُكافأ على وفائها هذا بإعادتها مع كل انتخابات إلى موقعها، ولكن!!

بعد "الزاعقة التشرينية" ومذكرات الجلب الصادرة بحق 33 شخصية لبنانية للمثول أمام القضاء السوري، فيما يقتضي البحث عن الحقيقة أن يمثل "هسام هسام" أمام القضاء اللبناني لنعرف من "كلفه" بمهمة تضليل التحقيق، وبماذا يفسر وجوده في موقع أكثر من جريمة!!

يشعر اللبنانيون بحالة قرف حقيقية، وجدية، واستثنائية هذه المرة، من دولتهم أولاً، ومن الذين لايزالون يرفضون أن يعترفوا بلبنان دولة ولا يجدون فيه أكثر من تابع ذليل، ويشعرون بقرف من "الدول العربية" التي تُقايض على لبنان من أجل موطئ قدم ترجوه في العراق، وعملياً لا يختلف الغباء العربي عن الغباء الأميركي في موضوع العراق لأن العرب لا يقرأون التاريخ، وليس فيهم "حجاج" اليوم، وهم لن يقرأوا يوماً، مع أنهم من أمة "إقرأ"!!

وأطرف "نكتة" يسمعها اللبناني هذه الأيام تتردد مع جلبة "حركة بلا بركة" للسفراء العرب الذين يحدثوننا عن قلقهم وخوفهم على لبنان… "إكراماً لله حلوا عنا أنتم وخوفكم المصطنع"، كفوا عن بيع لبنان وشعبه لحسابات ومصالح دولكم، أما نحن، الشعب اللبناني فقد ألفنا العيش على حافة الخوف ومنذ العام 1920 لبنان يعيش في عين العاصفة وفي فم التنين، ولم ينجح هذا التنين يوماً في ابتلاعه، ولن ينجح!!

بالتأكيد أملك أسباباً جوهرية تدفعني للانتفاض على هذا الإحباط وعلى حال القرف هذه، السبب الأول: أن اللبنانيين الذين احتشدوا في ساحة الحرية لم يخرجوا من أجل "ولا واحد" من كل سياسيي النفاق والكذب والانقلاب على الوطن، بل خرجوا من أجل لبنان وسيادته وحريته واستقلاله..

والسبب الثاني: أن هذه المعركة تشهد كراً وفراً منذ ثلاثين عاماً، ولطالما عادت بأشكال كثيرة متسللة على أنقاض مدننا وشوارعنا منذ الأشرفية و"حرب المية يوم"، إلى حصار زحلة، إلى تدمير طرابلس، إلى حرق الجبل، إلى تدمير بيروت، ومنذ 14 شباط 2005 ما زالت المعركة مستمرة، ونحن اليوم نعيش ونخوض المعركة ما قبل الأخيرة… ويخطئ من يظن أن معركة القرار الظني هي الأخيرة، بل هي المعركة ما قبل الأخيرة، والقرار الظني لناظره قريب!!

والسبب الثالث: هو الشهيد رفيق الحريري نفسه الذي مر على استشهاده ما يقارب 2050 يوماً، رجل واحد تم تفجيره بـ1800 كيلوغرام من المتفجرات، كان تفجيراً لوطن لا لرجل، وبحسبة بسيطة قد تكتشفون أن القتلة لو قرروا أن يفجّروا هذه الكمية بالتقسيط، أو أن يفجروا كل يوم نصف كيلوغرام من المتفجرات، مقسومة على خمسة لحصلنا على خمس تفجيرات يومياً، ولو قرروا تفجير هذه الـ250 غراماً دفعة واحدة فمازال لنا في ذمتهم عامين كاملين من التفجير!!

والسبب الرابع: أن "البعض" من العالم العربي الذين يقولون لنا "نحن خائفون عليكم"، هم كاذبون وتجربة اللبنانيين مع العرب مأساوية منذ اتفاق القاهرة، لطالما ألقوا بلاءهم علينا، وهؤلاء خوفهم الحقيقي ومصالحهم الحقيقية في مكان آخر، ولبنان "وقت الجد" لم يكن يوماً بالنسبة لهم أكثر من "شمة هوا" – حتى لا نقول شيئاً آخر – وعندما ظنوا أن باستطاعتهم تغيير أو إيقاف قطار المحكمة اصطدموا بواقع أن المجتمع الدولي ليس قبيلة، وأن بان كي مون أو دانيال بلمار ليس شيخ قبيلة قرر ردم الدم، وذبح كم ناقة وعنزة عن روح المرحومين القتلى، ويا هلا بالنشامة كلوا وترحموا!!

"العرب" أيها اللبنانيون، لا يجيدون الخلاف فإن اختلفوا اقتتلوا، ولا يجيدون عقد التسويات، فإن اتفقوا "انبطحوا"، والقضاء الدولي قضاء حقيقي، والشعب اللبناني ودول العالم أتت بالمحكمة لذا، لا خوف على المحكمة ولا خوف على لبنان، ولسببيْن بديهيين:

السبب الأول: أن جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري جريمة إرهابية والمحكمة الخاصة بلبنان في قلب الفصل السابع، والقرارات الصادرة والمؤسسة للمحكمة ونظامها الأساسي كالقرارات 1595 و1644 و1664 جميعها مُدرجة ضمن الفصل السابع، لذا لا يُقدم ولا يؤخر الحديث عن إعلان مترقب لرئيس المجلس النيابي يقرر فيه "أن المحكمة في لبنان كأن لم تكن"!!

والمشهد الذي يتابعه اللبنانيون اليوم ليس أكثر من مشاهد تهويل وتهديد سبق أن شاهدناها، وما المشكلة فلينفذوا 7000 أيار جديد، مَن سيواجههم، وهذا سيؤكد لدول العالم إرهابية الجريمة وإرهابية منع العدالة… أيها اللبنانيون إياكم أن يتسلل الإحباط إلى عزائمكم، واليأس إلى نفوسكم، ولا يجعلنكم مشهد الدولة اللبنانية التي لا تنتفض لسيادتها وكرامتها تتخاذلون عن لبنان، السياسيون "عبيد" المناصب، و"عباد" السلطة، وهم ضئيلون في عين أنفسهم وفي أعين شعبهم ومع هذا عندما يجلسون على الكراسي يظنون أنهم عمالقة!! قال "دولة" قال؟! "عن جد بدي راجع"!!

المصدر:
الشرق

خبر عاجل