حزب الله" يريد سلاحه للسطوة ويُدرك أن عون لن يُقدم له جمهورية لا يكون هو رئيسها
"حوار الدوحة" وخلاص لبنان.. المرجأ
فارس خشّان
كي يتم تحديد مفهوم نجاح حوار الدوحة أو فشله، لا بد من قراءة خلفيات ما يحصل في فندق "شيراتون" على أساس منطلقين، أولهما مبدئي وثانيهما عملي.
ماذا أوّلاً في المبدأ؟
مع وجود السلاح في يد "حزب الله" الممدودة الى النظام السوري والممسوكة بالقرار الإيراني، لا قيمة على الإطلاق لأي اتفاق سياسي.
الجدل حول قانون الانتخابات النيابية ليس أكثر من تضييع للوقت، فالوقائع علّمت اللبنانيين أن الأكثريات النيابية لا أهمية لها، طالما أن سلاح "حزب الله" يفصل الصراع السياسي بالحسم.
والثلث المعطل في الحكومات ليس أكثر من وهم، لأن التعطيل ميداني وهو غطاء مرحلي للتخريب، وللقتل.
وأي وعد بمعالجة علاقة السلاح بالدولة في مرحلة لاحقة ليس سوى وعد للبنانيين باتفاق قاهرة جديد، يفتح البلاد على حروب أهلية طاحنة يضعها رهينة بيد لعبة إقليمة قاتلة.
ورئيس للجمهورية آتٍ ضعيفاً مسبقاً، ليس رئيساً سوى لجمهورية ضعيفة ومنهكة.. وهكذا جمهورية هي بمثابة اللاجمهورية.
"بيت القصيد" في حوار الدوحة يكمن ـ من حيث المبدأ ـ هنا، لأن السؤال المطروح يبقى دائما: تكون الدولة أو لا تكون.
هذا على مستوى المبدأ، أما على المستوى العملي فلا بد من التعاطي مع المسائل إنطلاقاً من الآتي:
ثمة حقيقتان في لبنان تطغيان على المشهد العام: "حزب الله" لا يتنازل عن سلاحه، وجوداً واستعمالاً ومحميّات، والعماد ميشال عون لا يقبل بأن تذهب رئاسة الجمهورية الى غيره، وهو عندما يتحدث عن الرئاسة إنما يستعمل عبارة "أتنازل" بحيث يوحي بأنه في الأساس يمتلكها.
في التسوية التي يضغط من أجلها "الوسطيون" في قطر، ثمة محاولة جادة للتعاطي مع الأمور الشائكة انطلاقاً من تقسيمها الى مسارين، واحدهما مستعجل ـ داهم وثانيهما موضوع في الانتظار.
وهذه المحاولة، حتى لو كانت لا تأتلف مع المبدأ، إلا أنه يمكن اعتبارها محاولة للوصول الى تسوية صحيحة.
يتضمن المسار المستعجل ـ الداهم انتخاب رئيس جديد للجمهورية فوراً والمسارعة الى تشكيل حكومة وحدة وطنية فيها الثلث المعطل، بحيث يتم تمكين الدولة من حفظ مؤسساتها من جهة أولى، وبحيث يُسمح لواقع لبنان أن يعكس نفسه في السلطة التنفيذية بحيث ينتقل التخريب الشامل الى تعطيل في قرار معطّل بقوة السلاح، من جهة أخرى.
أما المسار المرجأ، فيتضمن ربط قانون الانتخاب بموضوع سلاح "حزب الله"، وهذا منطقي للغاية لأن أي انتخابات لا قيمة لها إذا كان الناخب مسيّراً الى الصناديق بقوة البندقية. الطائفة الشيعية ليست كلها مع "حزب الله" ولكنها كلها ـ أو غالبيتها الساحقة ـ مسيّرة بهذه البندقية. ظاهر حالها في الوقت الحاضر كظاهر حال غالبية الطوائف في لبنان إبان الوصاية السورية، فالتعسف القمعي كان يدفع الغالبية الصامتة الى التفاعل مع قرارات عنجر ولكن حين دقت ساعة الثورة بدا النظام السوري لا شيء في معادلة الضمائر اللبنانية.
وهذا الربط بين مسار عاجل ومسار مرجأ وحده يضمن وضع الدولة على سكة النشوء، لأنه يكشف النيات المبيّتة محلياً وإقليمياً.
ولكن إذا كان التطلع المبدئي مستحيلاً حالياً، فهل يمكن أن ينجح التطلع الواقعي؟
"حزب الله"، ووفق التجربة، لن يسمح بالمس بسلاحه حتى في النقاش. في تموز 2006 هرب من البحث في الاستراتيجية الدفاعية الى الحرب مع العدو الإسرائيلي. ومنذ تلك الساعة هو يرفض إعادة البحث في هذه النقطة الجوهرية التي تجعل كل لبنان عدواً فعلياً لإسرائيل وتحوّل الجيش اللبناني الى جيش مقاوم، ليس بالشعار بل بالقدرة أيضاً. ومنذ موافقته على القرار 1701 لم يعد سلاح "حزب الله" في مواجهة عدو لوطن، بل أضحى في خدمة أهداف داخلية بأفاق إقليمية، فهو به يأسر لبنان للقرار الإقليمي المعروف، وبه يستعد لتحويل كل الاستحقاقات الديموقراطية كالانتخابات الى استحقاق "إذعان بالبندقية".
والعماد ميشال عون الذي يقوم بوظيفة استراتيجية لمصلحة "حزب الله"، يتستّر بالمسيحيين. في حوارات الدوحة حول قانون الانتخابات النيابية، أخذ المسيحيون في بيروت أكثر مما يطمحون، ولكنه نقل المعركة الى نقطة أخرى، بحيث يُصارع من أجل أن يأخذ "حزب الله" السيطرة.
في واقع الحال، لا يُناضل عون من أجل قانون الانتخاب، بل يرفع شعاراً مسيحياً من أجل منع وصول العماد ميشال سليمان الى رئاسة الجمهورية.
دققوا في ما حصل ويحصل في قطر. عون هو لب الحركة البروتوكولية منذ تبلورت فكرة "حوار الدوحة". خطا العماد ميشال سليمان الخطوة الأولى بالاتصال الهاتفي الذي شكره فيه على "اللاشيء". "حزب الله" وضعه في الواجهة وتستّر به. كل المحاولات هي لإقناع عون بانتخاب سليمان رئيساً للجمهورية، أي بإعادة الطائفة المارونية الى وظيفتها الوطنية الكبرى.
هو بالتأكيد لن يقتنع ومفوّضوه يعرفون ذلك جيّداً، ولذلك فوّضوه. هم في الأساس لا يريدون رئيساً للجمهورية بل يريدون الجمهورية كلها. لا يريدون أن تنتظم مؤسسات الدولة لأن مساعيهم لم تنتهِ بعد إلى إرساء نهائي لدويلتهم.
مفوّضو عون لن يضغطوا عليه، بل على الضاغطين عليه. يريدونه أسير الوعد بالكرسي المستحيل، فمن دون هذا الوعد لن يكون هو جزءاً من الثلث المعطل، كما لن يكون جزءاً من تحالف نيابي يقوده فعلياً "حزب الله"، لأنه بالأساس، في السنتين الأولتين لعهد جديد يكون المسيحيون، بغالبيتهم، من حزب رئيس الجمهورية.
"حوار قطر" الى أين؟
السلة المتكاملة ـ وهي التي تتطابق مع المبدأ ـ مستحيلة لأن "حزب الله" لن يقبل بطرح سلاحه على طاولة البحث، بعدما نجح في إبعاده عن الإعلام مقدّماً عليه لغة قانون الانتخاب.
أما تقسيم السلة بين مسار عاجل وآخر مرجأ، فيبدو بدوره مستحيلاً، لأن العماد عون لن يُقدم لـ"حزب الله" جمهورية لا يكون هو رئيسها.